منوعات

الإثنين 06 يوليو 2026 4:49 مساءً - بتوقيت القدس

تونس تودع عمار القاسمي.. رحيل "نفس" الأغنية الملتزمة ومؤسس "الحمائم البيض"

غيب الموت الموسيقي التونسي البارز عمار القاسمي، الذي رحل تاركاً وراءه إرثاً فنياً طويلاً ارتبط بذاكرة الأغنية الملتزمة في تونس. ولم يكن القاسمي مجرد عازف ناي عابر، بل كان يرى في آلته وسيلة للتنفس والتعبير عن عالم يضيق بالحرية، مما جعل رحيله يبدو كأنه انطفاء لنفس طويل من الإبداع الموسيقي الهادف.

يُعد الراحل أحد الركائز الأساسية التي قامت عليها مجموعة "الحمائم البيض" الشهيرة، حيث آمن مع جيله بأن الفن لا ينفصل عن الموقف السياسي والاجتماعي. وقد جسد القاسمي من خلال موسيقاه أحلام جيل كامل بالعدالة الإنسانية، محولاً الأغنية إلى صرخة احتجاج وحلم بالحرية في آن واحد.

تعود جذور الحكاية إلى عام 1980، حين تأسست فرقة "الحمائم البيض" في مناخ ثقافي تونسي كان يبحث عن هوية جديدة للأغنية بعيداً عن الترفيه السطحي. وساهم القاسمي إلى جانب رفاق دربه إلياس وحشاد وزكرياء القبي في صياغة لغة فنية فريدة تمزج بين الشعر والمسرح والموسيقى القريبة من وجع الناس.

تميزت عروض الفرقة بطابع طقسي جماعي، حيث كان صوت ناي القاسمي يتسلل بين الكلمات والإيقاعات ليخلق حالة من الحنين الجماعي نحو عالم أكثر نقاءً. وكان الجمهور يشعر فوق خشبة المسرح بأن ما يُقدم هو "نشيد للحياة" يتجاوز مجرد الأداء الموسيقي التقليدي إلى آفاق إنسانية أرحب.

تركت الفرقة بصمة لا تُمحى في الذاكرة الجمعية من خلال أعمال خالدة مثل "الشيخ الصغير" و"لذة القلق" و"صرخة عطش". هذه الأغنيات لم تكن مجرد ألحان عابرة، بل كانت تعبيراً عن قلق الإنسان وأسئلته الوجودية الكبرى في زمن كان فيه الفن يُقاس بقيمته لا بنجاحه التجاري السريع.

لم يكن عمار القاسمي من هواة الأضواء أو الباحثين عن الشهرة الزائفة، بل كان يفضل العمل في العمق حيث تتشكل الروح الحقيقية للفن. وظل حضوره داخل الفرقة بمثابة الخيط الخفي الذي يربط بين الكلمة والنغمة، معتبراً الناي وسيلة للتعبير عن هشاشة الإنسان وقوته في آن واحد.

اشتهر الراحل في الأوساط الثقافية بلقب "معلم الصبيان"، وهو لقب يعكس تواضعه وحرصه الدائم على نقل خبراته للأجيال الشابة. فقد كان يؤمن بالمشاركة والتعلم الجماعي، مبتعداً عن الغرور الفني الذي قد يصيب بعض المشاهير، مما جعله قدوة للموسيقيين الصاعدين.

كان القاسمي يتعامل مع الموسيقى كحرفة روحية مقدسة، لدرجة أنه كان يصنع بعض آلات الناي الخاصة به بيديه ليضمن خروج الصوت كما يتخيله. هذا الارتباط الوثيق بالآلة جعل فنه يتسم بالأصالة والوفاء لفكرة العمل الجماعي، حتى في ظل زحف الفردانية على المشهد الموسيقي العربي.

برحيله، تشعر الساحة الثقافية في تونس بفقدان واحد من آخر حراس الزمن الجميل، الذي كانت فيه الموسيقى رسالة وقضية. ويفتح غيابه الباب مجدداً للتساؤل حول مصير الأغنية الملتزمة في العالم العربي، ومدى قدرة الفرق الجماعية على الصمود في وجه موجات الاستهلاك الرقمي السريع.

لقد كانت تجربة "الحمائم البيض" جزءاً من حراك ثقافي واسع ربط الفن بالحرية والعدالة، وهي قيم يبدو أنها تواجه تحديات كبرى في الواقع العربي المعاصر. ومع ذلك، تظل أعمال القاسمي حية في الذاكرة، تعود للظهور في لحظات الانكسار والحنين لتذكرنا بزمن كانت فيه الأحلام ممكنة.

ودعت تونس عمار القاسمي، لكن صدى نايه سيظل يتردد في أروقة المسارح وفضاءات الجامعات التي احتضنت بداياته. سيبقى صوته القادم من زمن النقاء شاهداً على أن الموسيقى، حين تكون صادقة، تستطيع أن تخلد أصحابها وتجعل أحلامهم الجماعية عابرة للأجيال والزمن.

دلالات

شارك برأيك

تونس تودع عمار القاسمي.. رحيل "نفس" الأغنية الملتزمة ومؤسس "الحمائم البيض"

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.