منوعات

الإثنين 06 يوليو 2026 4:44 مساءً - بتوقيت القدس

المونديال كطقس كوني: كيف توحد كرة القدم انتباه العالم في زمن التشظي؟

تتجاوز بطولة كأس العالم كونها مجرد جدول للمباريات الرياضية، لتتحول إلى رزنامة وجدانية عابرة للحدود، حيث يرتب الناس حياتهم ومواعيدهم حول صافرة البداية. في هذا الزمن الذي تتشابك فيه الأخبار وتتعدد الشاشات، يصنع المونديال لحظة نادرة يجلس فيها البشر أمام حدث واحد، مستعيدين طقوساً قديمة تجمع الحشد دون تحويله إلى قطيع.

تؤدي كرة القدم وظيفة جوهرية في تهذيب الخصومة البشرية المتأصلة، فبدلاً من الصراعات الدموية، اخترع الإنسان صيغاً تجعل الرغبة في الغلبة أقل تدميراً. في الملعب، يبقى الصراع موجوداً براياته وأغانيه، لكنه يجري تحت حكم وقانون ووقت محدد، مما يحول الخصم من كائن يجب إلغاؤه إلى شرط أساسي لوجود اللعبة.

إن الفارق الجوهري بين الحرب والمباراة يكمن في الاعتراف المتبادل؛ فالحرب لا تقبل الآخر إلا مهزوماً أو مدبراً، بينما تبدأ المباراة باعتراف مفاده أنه لا لعبة بلا خصم. بهذا المعنى، تصبح كرة القدم تمريناً اجتماعياً عميقاً على احتمال الآخر، حيث تُفرغ المواجهة من نيتها القاتلة وتُبقي على توترها الفني والجسدي.

نعيش اليوم في عالم ممزق لم يعد يشاهد الشيء نفسه، حيث انقسم الانتباه إلى عوالم متوازية تحكمها الخوارزميات والمصالح الضيقة. ومع ذلك، يبرز المونديال كاستثناء وحيد يوحد انتباه الملايين في لحظة زمنية واحدة، حيث يتابع الجميع ركلة الجزاء أو دمعة اللاعب في التوقيت ذاته عبر القارات.

لا يعني هذا التوحد أن العالم أصبح واحداً من الناحية الأخلاقية أو السياسية، بل يعني أنه أصبح واحداً زمنياً، وهو أمر ليس بالهين في عصر الفردانية الرقمية. إن الانتباه لحدث مشترك يمثل شكلاً نادراً من الاجتماع البشري، حيث تصبح كل بطولة علامة فارقة في التقويم الشخصي والجماعي لملايين المشجعين.

تستند هذه الظاهرة إلى حاجة بشرية قديمة للطقوس التي تنظم الزمن وتربط الفرد بالجماعة، تماماً كما كانت تفعل الأعياد والمواسم الزراعية في المجتمعات الغابرة. المونديال يختلف عن الطقوس الدينية أو القومية في أنه لا يطلب إيماناً أو عقيدة موحدة، بل يكفي فهم قواعد اللعبة البسيطة للمشاركة في هذا الوجدان الجماعي.

يمكن وصف المونديال بأنه 'طقس علماني' له مواعيده الدورية ورموزه وألوانه الخاصة، وحتى طقوسه الصغيرة التي يمارسها المشجعون في بيوتهم ومقاهيهم. من ارتداء القميص نفسه إلى الجلوس في المكان ذاته، يعتقد المشجعون بقدرتهم على التأثير في النتيجة، مما يمنحهم شعوراً بالانتماء لجسد أوسع يتجاوز حياتهم الخاصة.

في الحياة اليومية، يبدو الزمن فردياً ومجزأً بين العمل والدراسة والقلق، لكن المباراة الكبرى تحول الوقت إلى ملكية جماعية مشاعة. الدقيقة التسعون والوقت بدل الضائع لا يخصان اللاعبين وحدهم، بل يضعان ملايين البشر في الحالة العصبية ذاتها، وهو ما نطلق عليه 'الساعة الكونية'.

يختلف زمن المباراة عن زمن الأخبار الكارثية التي تأتي كصدمة غير مستعدة لها؛ فالمباراة موعد اختياري يقبل فيه المشاهد التوتر برضاه. هذا القلق القابل للإدارة يمنح البشر استراحة رمزية من أهوال الحياة الحقيقية، حيث تنتهي المعركة بصافرة الحكم مهما كانت مرارة النتيجة.

تأتي نسخة 2026 بتوسعها التاريخي لتجعل البطولة أطول وأكثر امتلاءً بـ 104 مباريات، مما يعزز مكانتها كموسم عالمي متكامل. ورغم ما قد يشوب ذلك من تضخم تجاري، إلا أنه يتيح فرصة أوسع لدول ومنتخبات جديدة للدخول في هذا الإيقاع الزمني الموحد الذي يعيشه كوكب الأرض.

لقد تعلم الطقس الحديث في المونديال كيف ينتشر عبر الشاشات بدلاً من الانحصار في ساحة واحدة أو معبد قديم، محولاً العالم إلى شاشة كونية موزعة. التلفزيون والهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي أصبحت أجزاءً من مشهد واحد، يعرض الهدف نفسه والخطأ نفسه لملايين المتابعين في اللحظة ذاتها.

ورغم أن الشاشات ساهمت في عزل البشر داخل فقاعاتهم الخاصة، إلا أن المونديال يقلب هذه الحقيقة مؤقتاً، مستعيداً لحظة النظر الجماعي الصافي. عند اقتراب الكرة من المرمى، تسقط كل التعليقات والضجيج الرقمي، ويعود العالم إلى الفعل البدائي الأول وهو المراقبة والانتظار الجماعي.

منذ تنظيرات غوستاف لوبون حول 'روح الجماهير'، ظل الحشد موضوعاً للخوف والتحليل، لكن الحشد الرياضي يمتلك خصائص مختلفة عن الحشود السياسية أو الغاضبة. إنه حشد يعرف أن له نهاية محددة بصافرة، ويمارس انفعالاته داخل مساحة آمنة لا تؤدي بالضرورة إلى الصدام الدموي.

في نهاية المطاف، يثبت المونديال أن البشر لم يفقدوا حاجتهم للطقوس الجماعية، بل قاموا بتغيير شكلها وأدواتها لتناسب العصر الحديث. تظل كرة القدم تلك اللغة العالمية التي تسمح بالانتماء بلا عقيدة، وبالعداء بلا إبادة، وبالفوز الذي لا يعني نهاية العالم بالنسبة للخاسر.

دلالات

شارك برأيك

المونديال كطقس كوني: كيف توحد كرة القدم انتباه العالم في زمن التشظي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.