عربي ودولي

الثّلاثاء 23 يونيو 2026 4:15 مساءً - بتوقيت القدس

بين ضغوط واشنطن والرهان الإقليمي: هل تضيق خيارات دمشق في الملف اللبناني؟

تتصاعد حدة التجاذبات السياسية في المنطقة مع محاولات الإدارة الأمريكية الجديدة، بقيادة دونالد ترامب، إعادة رسم الأدوار الإقليمية عبر مقترحات مثيرة للجدل. وقد برز ذلك بوضوح في حديث ترامب عن ضرورة إسناد ملف حزب الله اللبناني للرئيس السوري أحمد الشرع، معتبراً إياه الطرف الأقدر على التعامل مع هذا الملف المعقد في ظل تعثر الخيارات العسكرية الإسرائيلية.

هذا الطرح الأمريكي لا يبدو مجرد اقتراح عابر، بل يحمل في طياته محاولة لجر الدولة السورية نحو منزلقات سياسية وأمنية جديدة. ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه دمشق جاهدة للتعافي من آثار سنوات الحرب الطويلة وتثبيت أركان النظام الجديد بعيداً عن الصراعات الطائفية والإقليمية التي استنزفت مقدرات الشعب السوري.

ويرى مراقبون أن تصريحات ترامب تهدف إلى الاستثمار في الجراح السورية القديمة وفتح أبواب الفتنة، مما يضع القيادة السورية في اختبار حقيقي. فبينما تحاول دمشق التقاط أنفاسها وتضميد الكسور التي خلفها النظام البائد، تجد نفسها أمام مطرقة الضغوط الأمريكية وسندان الواقع الميداني المتفجر في الجوار اللبناني.

سياسة النأي بالنفس التي تنتهجها القيادة السورية باتت مهددة بشكل مباشر من قبل أطراف دولية تحاول تذكير دمشق بـ 'أفضالها' المزعومة. هذا الضغط يقلص بشكل ملحوظ من هامش المناورة المتاح لحكومة أحمد الشرع، التي تجد نفسها مضطرة للتعامل مع ملفات شائكة تتجاوز حدودها الجغرافية في توقيت حساس للغاية.

وجاء الرد السوري الرسمي عبر إطلالة تلفزيونية للرئيس أحمد الشرع، حملت رسائل طمأنة واضحة للداخل والخارج على حد سواء. حيث أكد الشرع أن دمشق تملك الشجاعة الكافية للإعلان عن أي توجه عسكري بشكل علني، مشدداً على أن الحلول في لبنان لا يمكن أن تفرض عبر آلة الحرب وقصف المدن والمنشآت.

ووصف الرئيس السوري المواجهات الحالية بالحروب العبثية التي لن تفرز منتصراً، بل ستخرج جميع الأطراف منها خاسرة على المدى البعيد. وتعكس هذه التصريحات رغبة سورية في تجنب الانخراط في صراعات مسلحة جديدة قد تقوض جهود إعادة الإعمار والاستقرار الداخلي التي بدأت تلوح في الأفق.

ورغم اعتراف الشرع بوجود 'جرح سوري كبير' لا يزال حياً تجاه ممارسات حزب الله السابقة، إلا أنه أبدى مرونة سياسية لافتة. فقد أكد استعداد دمشق للجلوس على طاولة الحوار مع كافة الأطراف، بما في ذلك الحزب، إذا كان ذلك يخدم المصالح العليا لسوريا ولبنان ويحقق الاستقرار المنشود.

واعتبرت مصادر مطلعة أن توقيت خروج الرئيس السوري للإعلام كان مدروساً بعناية فائقة لقطع الطريق على التأويلات التي أعقبت تصريحات ترامب. فالمرحلة الحالية لا تحتمل التأخير في توضيح المواقف الرسمية، خاصة مع وجود أطراف تسعى للاصطياد في المياه العكرة وتوظيف التصريحات الأمريكية لخدمة أجندات خاصة.

وفي سياق البحث عن خيارات دمشق لمواجهة الطلبات الأمريكية الملحة، تبرز أنقرة كلاعب محوري ومؤثر في الحسابات السورية. فالتصريحات الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان رسمت حدوداً واضحة للتدخلات الخارجية، معتبراً أمن دمشق وبيروت جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي التركي.

هذا الموقف التركي الجازم يمنح القيادة السورية متنفساً سياسياً مهماً أمام لغة التهديد والوعيد التي قد تصدر من واشنطن بين الحين والآخر. ويبدو أن هناك تقاطعاً في المصالح بين دمشق وأنقرة لمنع فرض أي 'أمر واقع' جديد في المنطقة قد يهدد استقرار الدولتين الجارتين.

إن الرهان السوري الحالي يعتمد بشكل أساسي على تعزيز التحالفات الإقليمية التي ترفض التبعية المطلقة للإملاءات الأمريكية. ومن هنا، يمكن فهم التنسيق غير المعلن أو تطابق الرؤى مع الجانب التركي كحائط صد أمام محاولات واشنطن استغلال الأزمات العربية لتحقيق مكاسب ذاتية على حساب دماء الشعوب.

وتشير المعطيات إلى أن دمشق درست خطواتها جيداً قبل إعلان موقفها الحاسم تجاه الملف اللبناني، مدركة أن الانزلاق وراء الوعود الأمريكية قد يكون فخاً. فالتاريخ القريب أثبت أن الرهانات الدولية غالباً ما تتغير بتغير المصالح، بينما تظل الجغرافيا والتاريخ المشترك مع الجيران هما الثابت الوحيد.

الخلاصة أن المنطقة تعيش مرحلة تتطلب قدراً عالياً من الحكمة والتروي لتجاوز المطبات السياسية التي يضعها 'صناع الأزمات'. فاللعب على وتر الخلافات والجروح القديمة هو سلاح ذو حدين، والقيادة السورية تدرك أن الوقود في هذه النزاعات دائماً ما يكون من مقدرات الشعوب العربية والإسلامية.

يبقى السؤال قائماً حول مدى نجاح دمشق في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين الضغوط الدولية والضرورات الوطنية. الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان هامش المناورة سيظل متاحاً أمام الرئيس السوري، أم أن العواصف الإقليمية ستجبر الجميع على اتخاذ مسارات لم تكن في الحسبان.

دلالات

شارك برأيك

بين ضغوط واشنطن والرهان الإقليمي: هل تضيق خيارات دمشق في الملف اللبناني؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.