أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:33 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة معاصرة لتجربته بين الموسيقى والتكنولوجيا // ناجي العلي في هيوستن يروي فلسطين الفنّ والمقاومة والإنسان


ناجي العلي تجربة ممتدة في الزمن
بين صدى موسيقى مارسيل خليفة وبلاغة ريشة ناجي العلي، استضافت هيوستن معرضا استعاد أيقونة "حنظلة" برؤية معاصرة، ويمزج بين توثيق الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة واستخدام الذكاء الاصطناعي والتطريز اليدوي لإحياء رموز العلي، مؤكداً أن فنه لم يكن مجرد كاريكاتير، بل صرخة إنسانية عابرة للزمن والحدود.
إحياءً للذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، استضاف مركز "ميدتاون" للفنون والمسرح في مدينة هيوستن الأميركية "MATCH" في الفترة الممتدة من 1 إلى 9 أيار الجاري، معرضاً فنياً بعنوان "ناجي العلي" ضم أعمالاً أيقونية لفنان الكاريكاتير الراحل ناجي العلي، مصحوباً ببرمجة متنوعة جمعت الندوات والحوارات، والعروض الموسيقية الحية، التي كان ضيفها الفنان اللبناني مارسيل خليفة، حيث توازت مع المعرض وقدّمت ناجي العلي في رؤية تاريخية وبتكامل الاستشراف البصري المعاصر.
فقد كان المعرض تكريماً للفنان الصحفي ورسام الكاريكاتير ناجي العلي، مُبدع الشخصية الكاريكاتورية الأشهر عالمياً "حنظلة" التي لا تزال حيّة ومُعبّرة كما رسوم ناجي العلي العميقة ومواقفه التي تعبر زمنها لتعبّر عن الواقع الحالي وهي تعاود ما سردته بصرياً في فترة السبعينات والثمانينات لتحتفظ براهنيتها وأهميتها البالغة حتى يومنا هذا.
ولأنه يعتبر من أهم رسامي الكاريكاتير، وأبرز من عبّروا عن القضية الفلسطينية، نجح ناجي العلي في تجسيد جوهر الشعب الفلسطيني، بصفته الإنسانية، وتحوّله المصيري الخاضع لمنطق التهجير والشتات واللجوء، فكان صدى صوته عابرا للمراحل عبر رسوماته التي وثّقت ببساطة انعكس فيها الصدق والمعايشة ووصلت لعالمية الطرح ونجحت في العبور أبعد نحو كل التفاصيل الإنسانية، فكانت رسائله قوية لم يردعها إلا الموت الذي أسكت ريشة ناجي العلي، لكنه خلّده أيقونة وموقفا وحضورا كثيفا تداوله العالم وآمن بصدق التعبير في كل ماعكس من معاني الصمود والقوة، وفي طريقة معالجة الأحداث والوقائع التي تناولت رسائله الساخرة ومنطق التعبير عن القضايا الجوهرية التي عصفت بالمنطقة، مستشرفا ببراعة مذهلة وقراءة عميقة الأحداث المأساوية التي نشهدها اليوم.
وقد شارك في تأثيث برمجة المعرض الفنان والباحث الدكتور فائق عويس الذي عرف بنظرته الفنية التأملية ومشاريعه البصرية سواء الحروفية أو الجدارية أو في مبادراته الجمالية في جمع التراث الفلسطيني وتأسيس مبادرة "لمسة أمي" التي ركّزت على الحرف اليدوية والتطريز الفلسطيني، وقد قدّم عويس من خلالها محاضرة عن الرموز والشخصيات في رسومات ناجي العلي، استعرض من خلالها مجموعة كبيرة من الرسومات وقام بتحليل الشخصيات فيها مثل الزلمة وفاطمة وحنظلة والرجل الأبله، مع تحليل الرموز التي استخدمها ناجي العلي مثل القيم النبيلة، النضال الفلسطيني، القمع والاحتلال.
كما استخدم الدكتور عويس أدوات الذكاء الاصطناعي لإنشاء فيديو ملون لبعض رسومات ناجي العلي، ومن خلال مبادرته، لمسة أمي، عرض عملين تم تنفيذهما بالتطريز اليدوي الفلسطيني جسّدا "حنظلة" وحاكيا رسومات ناجي العلي.
كما قدّم مارسيل خليفة عرضاً موسيقياً، وألقى كلمة حاكت مسيرة ناجي العلي الصحفية وشخصيته الفنية وحضوره الصادق ومقاومته الملتزمة بقضيته التي صقلت مبادئ خليفة الفنية وكان لها تأثيرها على تشكيل معنى الفن لديه "ناجي العلي دهشتنا الصباحية. كنّا نقرأ السفير من الصفحة الأخيرة حيث كان يوقّع ناجي العلي بوضوح ساطع ركنه بالأبيض والأسود، ناجي الذي يغنيك عن الجريدة ويغني الجريدة عن الكتابة، في كل يوم كان يستأنف الرحيل الشاق نحو البحث عن نقطة ضوء لبداية تتجدّد".
وعن التشابه الحسي والموقف البصري بين ناجي العلي وحنظلة قال خليفة "أيها الطفل الجميل يا حنظلة، هل رأيت قمرا ناصع البياض يرشدنا إلى طريق الوطن المسبي، ناجي يخفي دائما وجهه كطفله حنظلة، حنظلة يشبه ناجي رغم غياب ملامحه أثناء مشيته مغرقا رأسه بين كتفيه. بقي ناجي ذلك الصبي الفلسطيني شغّيل الليمون في بساتين صيدا، عذابات شكلّت ذاته ووجدانه، لهجته الفلسطينية بقيت كما هي لم تتلوّن بالحياة في لبنان، براءته تعبّر عن نفسها، مرئي واضح وشائع، قدرته الهائلة على التقاط المفارقات اللماحة، أنقذني ناجي العلي من عبثية ‘سقوط القمر’ حين صدحت "في البال أغنية" والتي كان يحبها وهو فاقد وعيه بعد إطلاق النار عليه في مدينة الضباب، كان يتحسّس ذلك بوعي داخلي عميق، أوليس في هذه الطاقة المتحولّة ما يزودنا بالطاقة ؟! يبعد عنا حاجز السقوط لأن، هناك من ينتظرنا ويشعرنا بهذه الضرورة، وطنك يا ناجي مساحة روحية لا يقتلها الرصاص".

المشي نحو الخلود
في طرحه التوثيقي الفني والبصري العميق تعمّق الدكتور الفنان فائق عويس في شخصية ناجي العلي الفلسطيني المعايش لفلسطينيته ولرسوماته وشخصياته التي ولّدها من غبار التشريد فكان الأصدق والأبلغ والحقيقي الذي لم يقهره الخوف ولم يتراجع عن صدقه، أشار عويس إلى أن ما ميّز ناجي العلي هو أنه لم يُحوّل فلسطين إلى صورة رومانسية للحنين، بل جرّدها من البلاغة السهلة، وتركها عارية أمام العالم، جائعة، مطعونة، ومخذولة صورتها التي لم يفلترها حتى يثير شفقة العالم بل ليمجّد خلودها الكامل لأنها رغم كل ذلك بقيت شامخة وحقيقيّة أمام حقيقتها التي عرّت في الحقيقة المغتصب.
كانت رسوماته ومواقفه صادقة حقيقية دائما لامعة ولا تتجمّل، باللون أو اللغة التي قد تضع الكارثة داخل إطار أنيق، ولهذا ظلّت رسوماته حيّة، لأنها لم تُخلق لتُعلّق على الجدران، بل لتبقى كالمسامير في صليب الوعي.
 ما أراده المعرض ليس إحياء لناجي العلي الشخصية بل الرمز، حيث لم ينفصل العلي عن شخصياته، إذ بدا حنظلة أقلّ شبها بطفل وأكثر قرباً من مفهوم فلسفيّ كامل، شاهد أبديّ على انهيار المعنى وإعادته في بلاغة الصمت المشحون بالحيرة، فبين الصمت والصمت يدير ذلك الكائن الصغير ظهره للعالم، لا يفعل ذلك خجلا، بل ازدراء، إنه يرفض المشاركة في المشهد الإنساني المزيّف، عالم تُبث فيه الحروب مباشرة بينما يتحوّل الألم إلى مادة إعلامية سريعة الاستهلاك.
الخطوط السوداء في أعمال ناجي العلي تشبه آثار احتراق قديم على ذاكرة الورق، لا ظلال متكلّفة، لا ترف لوني، لا استعراض تقني، فهو لم يبحث عن جماليات الإبهار، بل عن صدق الصدمة، ولهذا كانت شخصياته دائما منهكة، محنية، ذات عيون متعبة كأنها خرجت للتو من مخيم طويل اسمه التاريخ العربي الحديث.
المعرض، بما ضمّه من برمجة ندوات وعروض وحوارات عامة، لم يكن إحياء لذكرى لا تزال آثارها الدموية مُعيشة بل دعوة بالفن للنظر للتأمل لإعادة مساءلة العالم عن المصير وعن دور الثقافة نفسها بين الماضي الحاضر والحاضر الماضي.
وهنا بدا واضحاً الدعم الذي قدمته مؤسسات الجالية العربية والفلسطينية، ومنها مركز الجالية الفلسطينية Palestinian American Cultural Center- PACC Houston ومركز الجالية والثقافة العربية (البيت العربي) Arab American Cultural and Community Center، حيث لم يكن دعمها مجرد مساهمة تنظيمية، بل فعل انتماء ثقافي عميق، لأن الجاليات تحاول دوما وعبر الفن أن تمنع ذاكرتها من الذوبان داخل آلة النسيان الغربية.
ففي المنفى، تصبح الثقافة وطنا مؤقتا، ويصبح النشاط الثقافي والفني شكلا من أشكال الدفاع عن الوجود.
وفي تحليله للرموز، أضاء الدكتور فائق عويس على كيفية استخدم ناجي العلي علاماتٍ بصرية شديدة القرب والذكاء، استطاعت ببساطتها أن تُحكم البناء الرمزي وتنتج قيما دلالية عميقة. ربما كان الرمز الفلسطيني يظهر هشّا ومحاصَرا، بينما بدت رموز الاحتلال والقمع ضخمةً ومتوحشة، ولكن العلي كان من خلالها يرسم اختلال ميزان العالم نفسه، فرموز النضال الفلسطيني لم تكن عنده بطوليةً بطريقة دعائية، بل إنسانية وموجوعة، تحمل تناقضاتها وأسئلتها وخوفها أيضا كما تحمل حقّها الواضح.
لقد استطاع المعرض في جوانبه البصرية وبرمجته تحرير أعمال ناجي العلي من أرشيفيتها، ومنحها قدرة جديدة على الحركة داخل الوعي البصري الحديث، خاصة من خلال الفيديو الذي نفّذه الدكتور الفنان فائق عويس والذي تكامل في المشهد مع آليات التعبير المعاصرة وتماهى مع تجريبه الفني مع الذكاء الاصطناعي، حيث قدّم رسومات مختلفة لم تكتف بأن تكون ثابتة، بل صارت تتنفس وتحدّق وتتحرك، وكأنها ترفض أن تتحول إلى مجرد وثيقة من الماضي.
وبالتالي دمج عويس فكرة رسومات ناجي العلي مع أفكاره وأخيلته ورؤاه التي استنطقت وحرّكت الشخصيات وأخرجت أدوارها لتعبّر بذاتها داخل فضائها وكأنه يقرّبها من واقعه ليظهر الذكاء الاصطناعي كوسيط جديد لإعادة إحياء الذاكرة، وإبقاء صوت ناجي العلي مفتوحا على المستقبل، بصخبه وأسئلته التي لا تزال، حتى اليوم.

"لمسة أمي" مبادرة وحياة
ومن خلال مبادرته الفنية "لمسة أمي"، قدّم فائق عويس عملين نُفذا بالتطريز اليدوي الفلسطيني، كأنهما استعادة حميمة لذاكرة الأمهات الفلسطينيات اللواتي حوّلن الخيط والإبرة إلى أصوات تحكي ولغة تسرد الهوية وتدعم مقاومة المحو، إذ لا يعتبر التطريز مجرّد حرفة تراثية أو زينة بصرية، بل لغة ثقافية عميقة وبصمة وجود لدى الفلسطيني تحمل في غرزها سردية الأرض والمنفى والانتماء.
فكل خيط ملوّن بدا كأنه امتدادٌ لصوت النساء اللواتي حافظن على الذاكرة الفلسطينية داخل البيوت والمخيمات وفي المهجر، حين كانت الأشياء كلها مهددة بالفقدان والاستيلاء.
وقد أضفى العملان بعدا حسيا وإنسانيا على المعرض خاصة تناول شخصية حنظلة واحتواء روح ناجي العلي، إذ انتقل التعبير الفني من حدة الكاريكاتير السياسي إلى دفء النسيج اليدوي، ومن صخب السخرية السوداء إلى تأمل أكثر هدوءا في معنى الجذور والاستمرار.
إن الرؤية التي قدّمها فائق عويس، بدا من خلالها ناجي العلي أكثر من رسّام كاريكاتير، بدا صوت الإنسانية عابرا للحدود والأطر، استطاعت رسوماته أن تحوّل القضية الفلسطينية إلى لغة يفهمها العالم، وكما أشار عويس، فإن ناجي العلي "ابتكر مفردات بصرية قوية، حافلة برموز راسخة احتفظت بصدى معاصر يتردد طويلا حتى بعد رحيله"، وهو ما جعل حضوره الفني يتجاوز زمانه ومكانه، ليبقى الفن مساحةً مفتوحة على الحقيقة، تضمن حق الإنسان في أن يرى، ويسأل، ويقول ما لا يمكن للصمت أن يخفيه.

دلالات

شارك برأيك

قراءة معاصرة لتجربته بين الموسيقى والتكنولوجيا // ناجي العلي في هيوستن يروي فلسطين الفنّ والمقاومة والإنسان

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.