أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 9:01 صباحًا - بتوقيت القدس

كيف نحمي الفضاء الثقافي المقدسي من سياسات الهيمنة والاحتواء الثقافي؟

تبدأ حماية الفضاء الثقافي المقدسي من الوعي بأن المسألة لا تتعلق فقط بحماية مؤسسة قائمة، بل بحماية قدرة المدينة على إنتاج معناها كل يوم، فحين يصبح إغلاق المؤسسات ممكنًا، يتحول انتشار الفعل الثقافي إلى ضرورة، وحين يُعاد تعريف المكان، يغدو تثبيت قصته واجبًا يوميًا، فكيف يمكن لمدينة يُعاد تشكيلها باستمرار أن تحمي فضاءها الثقافي، وأن تُبقيه حيًا ومتجذرًا في حياة أهلها رغم سياسات الهيمنة والاحتواء؟

-   تفكيك طبيعة التهديد

تتمثل طبيعة التهديد الثقافي في القدس باعتباره عملية إعادة تشكيل للفضاء الثقافي أكثر من كونه عملية منع وإغلاق مباشر، فالهيمنة لا تعمل دائمًا عبر المنع الصريح، بل من خلال إعادة ترتيب شروط الحضور عبر تحديد ماذا يظهر؟ من يتكلم؟ وبأي لغة؟ وتحت أي عنوان؟ هنا لا تختفي الثقافة بالضرورة، بل يُعاد تقديمها بصورة أقل قدرة على التعبير عن ذاتها، كأنها نشاط قائم لكنه منزوع المرجعية.

ويُعرّف الاستيعاب الثقافي بوصفه آلية تُبقي الفعل الثقافي حاضرًا في الشكل، لكنها تفصله عن سياقه الاجتماعي والوطني، أما الاحتواء، فيظهر حين يُسمح للفعل الثقافي بالبقاء، ولكن ضمن حدود غير مرئية تُضعف أثره وتعيد ضبط لغته، لذلك، لا يكفي أن نسأل: هل هناك نشاط ثقافي؟ بل علينا أن نسأل: هل ما زال هذا النشاط قادرًا على حمل ذاكرة المدينة وتمثيل أهلها وحماية سرديتهم؟

ولا يكمن الخطر في إغلاق فضاء ثقافي، بل في تبديل دلالاته، فعندما يُعاد تعريف الحي، أو تُمحى أسماء الأزقة من التداول، أو يتحول الفعل الثقافي إلى خدمة محايدة بلا ذاكرة، يصبح الفضاء أقل قدرة على إنتاج معناه الخاص، وتتحول المواجهة إلى مواجهة على الدلالة اليومية والذاكرة التي تحفظ علاقة الناس بمدينتهم.

-   إعادة تعريف الحماية

لحماية الفضاء الثقافي، لا بد من التعامل معه بوصفه فعلًا يوميًا متراكمًا، لا ينتظر مناسبة كبرى ولا يعتمد على موقع واحد، فالحماية لا تعني مجرد البقاء، بل إبقاء المعنى متداولًا بين الناس، وحين يصبح الفعل الثقافي جزءًا من إيقاع الحياة اليومية في البيت، والمدرسة، والشارع، والمقهى، والمنصة الرقمية، يصبح أصعب على الإلغاء، لأنه لم يعد مرتبطًا بمركز واحد يمكن تعطيله.

قد تبدو بعض الأفعال الثقافية صغيرة ومحدودة، لكنها حين تتكرر وتتقاطع مع تفاصيل الحياة اليومية، تصنع أثرًا يشبه ضربات الأمواج على الصخر، لا تغيّره دفعة واحدة، لكنها مع الوقت تترك أثرها العميق فيه، هنا لا تكون القوة في ضخامة الفعل، بل في استمراره وقدرته على التحول إلى عادة اجتماعية راسخة.

ومن هنا، لا تبقى الثقافة شأنًا نخبويًا أو مؤسساتيًا فقط، بل تتحول إلى ممارسة جماعية يشارك فيها الجميع، فالمعلم الذي يطلب من طلبته رسم خريطة القدس العربية، والأم التي تروي لأبنائها كيف كانت المدينة قبل الجدار، وصاحب المكتبة الذي يخصص رفًا لكتب القدس، والشاب الذي يوثق عبر هاتفه تفاصيل شارع قبل أن تتغير ملامحه، جميعهم يشاركون في حماية الفضاء الثقافي.

حتى التفاصيل التي تبدو عادية تحمل هذا البعد الثقافي، فتعليق صورة قديمة للمدينة داخل منزل، أو الحفاظ على اسم محل عائلي قديم، أو تداول حكاية مرتبطة بزقاق، كلها أفعال تُعيد تثبيت حضور المدينة في الوعي اليومي، وهنا لا تعود حماية الثقافة مرتبطة بالمؤسسة فقط، بل تتحول إلى مسؤولية جماعية يصبح فيها المجتمع الحامل الحقيقي للفضاء الثقافي وحارسه اليومي.

-   مسارات عملية تُعيد توزيع الفعل الثقافي

يتطلب حماية الفضاء الثقافي نقل الفعل الثقافي من مركز واحد إلى شبكة واسعة موزعة داخل المجتمع، بحيث لا يبقى مرتبطًا بمؤسسة أو مساحة يمكن تعطيلها، بل يتحول إلى ممارسة حية تتوزع بين البيوت، والأحياء، والمدارس، والمقاهي، والمنصات الرقمية.

تبدأ هذه المسارات من البيت، حين تتحول الجلسات العائلية إلى مساحة لرواية الحكايات واستعادة الذاكرة، وتمتد إلى الحي عبر مبادرات صغيرة تعيد ربط الناس بأحيائهم وتفاصيلها، وتتوسع هذه الممارسات داخل المقاهي والفضاءات اليومية التي يمكن أن تستضيف نقاشًا أو عرضًا بصريًا دون الحاجة إلى تكلفة مرتفعة.

كما تتجسد داخل المدارس حين يصبح الطلبة جزءًا من عملية توثيق المدينة، عبر كتابة قصص العائلات وتصوير تفاصيل المكان، بما يحول المدرسة من مساحة تعليم فقط إلى مساحة إنتاج للمعنى، ويمتد هذا الفعل إلى الفضاء الرقمي، حيث لا تصبح الصورة مجرد مادة للنشر، بل وسيلة لحماية الاسم والحكاية معًا، وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية بناء أرشيف أهلي متراكم يحفظ الشهادات والخرائط والقصص اليومية التي قد تبدو عابرة، لكنها تشكل في مجموعها ذاكرة المدينة الحية.



-   نحو ثقافة تحمي نفسها بذاتها

لا تُبنى الحماية في القدس عبر الحصانة وحدها، بل عبر كثافة الحضور وتكرار الفعل، فكلما توزعت المبادرات وتقاطعت مع تفاصيل الحياة اليومية، أصبح الفضاء الثقافي أكثر صلابة، لأنه لم يعد قائمًا على جهة واحدة يمكن تعطيلها، بل على شبكة اجتماعية واسعة تُعيد إنتاجه باستمرار.

ومن هنا، لا تبدو الثقافة نشاطًا موسميًا، بل طريقة للصمود داخل المدينة، فمن يعرف اسم شارعه، ويحفظ حكاية بيته، ويرى صور عائلته في أرشيف حيّه، يصبح أقل قابلية للانفصال عن المكان، وهكذا تتحول الثقافة إلى شكل من أشكال الحضور اليومي الفعال، الذي لا يرفع الشعارات بقدر ما يُعيد تثبيت علاقة الناس بمدينتهم.

لا تُفقد القدس حين تُغلق مؤسساتها، بل حين تتوقف عن إنتاج معناها، وحين يصبح أهلها متفرجين على رواية تُكتب عنهم من خارجهم، لذلك، فإن حماية الفضاء الثقافي ليست فعل دفاع مؤقت، بل مشروع يومي يتراكم بالفعل الصغير، ويقوى بالتكرار، حتى يصبح جزءًا من عادة الناس ووعيهم اليومي.

دلالات

شارك برأيك

كيف نحمي الفضاء الثقافي المقدسي من سياسات الهيمنة والاحتواء الثقافي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.