أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 8:11 صباحًا - بتوقيت القدس

تصريح ترامب “إسرائيل دولة صغيرة”: كيف تُرجم على الأرض؟

في فلسطين، لا تأتي الأسئلة الكبرى فجأة؛ بل تتراكم ببطء، حتى تصبح أثقل من أن تُؤجَّل. من بين هذه الأسئلة، يبرز سؤال المرحلة: هل ما جرى ويجري هو مجرد فوضى سياسية، أم أنه مسار مُدار بعناية، يُعاد فيه تشكيل الواقع تمهيدًا لشيء آخر؟

حين عادت إدارة دونالد ترامب إلى الواجهة، لم تُعلن خطة جديدة صريحة بقدر ما أعادت إحياء منطق قديم بصيغة أكثر وضوحًا: تقليل الكلام، وترك الوقائع تتكفل بالباقي. لم يكن هناك بيان يقول إن الاستيطان سيُمنح “فترة سماح”، لكن ما حدث على الأرض كان كأنه كذلك. تسارع البناء، تراجعت الضغوط، وغاب الاعتراض الفعّال، وكأن الزمن نفسه أُعيد توجيهه ليخدم طرفًا دون آخر.

في أكثر من مناسبة، لم يتردد دونالد ترامب في وصف إسرائيل بأنها “دولة صغيرة جدًا”. قد يبدو هذا الوصف عابرًا أو حتى جغرافيًا بحتًا، لكنه في سياق الصراع يحمل دلالات أعمق بكثير. فحين تُقدَّم الدولة بوصفها “صغيرة”، فإن ذلك يفتح الباب ضمنيًا لتبرير التمدد، أو على الأقل لفهمه كحاجة طبيعية لا كخيار سياسي قابل للنقاش.

هذا الخطاب لا ينفصل عن الرواية الأمنية الإسرائيلية، التي طالما ربطت بين الجغرافيا والأمن، وبين العمق الاستراتيجي والقدرة على البقاء. في هذه الرواية، لا يُنظر إلى التوسع الاستيطاني باعتباره مجرد مشروع أيديولوجي، بل كأداة دفاعية تُستخدم لتقليل المخاطر وتعزيز السيطرة. وهنا، يصبح الاستيطان ليس فقط أمرًا واقعًا، بل ضرورة يُعاد إنتاجها سياسيًا وإعلاميًا.

وحين يُضاف إلى ذلك أفق سياسي ضيق في مقاربة الصراع، يتجلى في تصور لدى دونالد ترامب يقوم على إمكانية معالجة “مشكلات إسرائيل” دفعة واحدة، أو على الأقل تقليص هواجسها، سواء كانت متخيلة أو قائمة، من خلال فرض وقائع جديدة، فإننا نكون أمام رؤية تختزل صراعًا تاريخيًا معقدًا إلى مسألة إدارة أمنية قابلة للحسم السريع. هذا النوع من التفكير لا يكتفي بتبني الرواية الأمنية، بل يسعى إلى إغلاقها، كأنها ملف يمكن إنهاؤه بإعادة ترتيب الجغرافيا لا بإعادة تعريف العلاقة بين الأطراف.

حين يتقاطع هذا التصور مع سياسات عملية على الأرض، تسارع في البناء، غياب ضغط دولي حقيقي، وتطبيع تدريجي مع الوقائع الجديدة، فإن النتيجة لا تكون مجرد تغيير في الخريطة، بل إعادة تعريف لمفهوم “الأمن” نفسه. أمن من؟ وعلى حساب من؟ وبأي حدود؟

في هذا السياق، لا يبدو الاستيطان مجرد سياسة، بل أداة لإعادة تعريف التفاوض قبل أن يبدأ. حين تتغير الخريطة تدريجيًا، تصبح أي مفاوضات لاحقة محكومة بما فُرض بالفعل، لا بما كان مطروحًا نظريًا. وهنا، يتحول السؤال من “ما هو الحل العادل؟” إلى “ما الذي يمكن إنقاذه من الواقع القائم؟”.

ليست هذه المقاربة جديدة بالكامل. جذورها تعود إلى ما طُرح سابقًا في ما عُرف بـ صفقة القرن، حيث جرى التعامل مع المستوطنات كأمر واقع يمكن دمجه في أي تسوية مستقبلية. الجديد اليوم ليس الفكرة، بل وتيرة التنفيذ، وغياب التوازن في ردود الفعل الدولية.

في المقابل، تبدو الضفة الغربية وكأنها تعيش حالة إعادة تشكيل صامتة. الطرق، الحواجز، التمدد العمراني—كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها تُراكم أثرًا سياسيًا عميقًا. لا إعلان ضم شامل، ولا اتفاق سلام، بل منطقة رمادية تتسع يومًا بعد يوم.

أما غزة، فهي في موقع مختلف ظاهريًا، لكنها جزء من المعادلة ذاتها، غير أن واقعها العملي يشير إلى استبعاد متزايد من أي أفق سياسي قريب، إذ ستكون منهمكة في إعادة إعمار طويلة ومعقدة قد تمتد لعقود، ما يجعل حضورها في أي مسار تفاوضي شامل محدودًا أو مؤجلًا.

وسط كل ذلك، يبدو أن “تأجيل الحل” لم يعد مرحلة انتقالية، بل سياسة قائمة بذاتها. ليس هناك اندفاع نحو تسوية شاملة، بل إدارة مستمرة للأزمة، مع ترك الباب مفتوحًا لمفاوضات تأتي لاحقًا، إذا جاءت، على أرضية مختلفة تمامًا.

لكن هذه المقاربة تحمل تناقضًا جوهريًا. فإعادة تشكيل الواقع قد تُسهّل فرض شروط جديدة، لكنها لا تُنهي الصراع. بل قد تعمّقه، لأن ما يُفرض دون توافق يبقى عرضة للاهتزاز، مهما طال الزمن.

وهنا يعود السؤال الأول، ولكن بصيغة أكثر حدة: إذا كان الزمن يُستخدم كأداة سياسية، فهل يمكن التعويل عليه وحده لحسم الصراع؟ أم أن ما يبدو كاستراتيجية طويلة الأمد ليس سوى تأجيل مستمر لانفجار أكبر؟

بعد كل هذا، يفرض الواقع سؤالًا يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه شديد التعقيد في مضمونه: هل ما زال بالإمكان العودة إلى ما كان عليه الوضع سابقًا؟ أم أن ما جرى تجاوز نقطة اللاعودة؟

بالنسبة لإسرائيل، يبدو أن الرهان يسير في اتجاه واضح: ليس فقط إدارة الصراع، بل إعادة تشكيله بحيث تصبح العودة إلى الخلف شبه مستحيلة. فكل توسّع استيطاني جديد، وكل طريق يُشق، وكل بنية تُقام، لا يُضاف فقط إلى الحاضر، بل يُثبّت مستقبلًا مختلفًا، يُصعّب التراجع عنه حتى لو توفرت الإرادة السياسية.

من هنا، لا يعود الحديث عن حل الدولتين مجرد خيار مؤجل، بل احتمال يتآكل تدريجيًا. ليس لأن الفكرة فقدت مشروعيتها النظرية، بل لأن الأرض التي يفترض أن تقوم عليها تتغير باستمرار. وحتى لو جاءت في إسرائيل حكومات أو أحزاب تدعم هذا التوجه، فإنها ستجد نفسها أمام واقع مركّب إلى حد يجعل التنفيذ أقرب إلى المستحيل منه إلى التحدي السياسي التقليدي.

التعقيد هنا لا يقع على الفلسطينيين وحدهم، بل يمتد إلى الداخل الإسرائيلي نفسه. كيف يمكن تفكيك بنية استيطانية أصبحت جزءًا من الاقتصاد، ومن الجغرافيا، ومن الحياة اليومية لمئات الآلاف؟ وكيف يمكن إعادة رسم حدود بعد أن تداخلت الوقائع إلى هذا الحد؟

بهذا المعنى، لا يكون التغيير قد أغلق باب الحل فقط، بل أعاد تعريفه. فبدل أن يكون السؤال: كيف نصل إلى حل الدولتين؟ يصبح السؤال: هل ما زال هذا الحل قابلًا للتطبيق أصلًا، أم أنه تحوّل إلى فكرة سياسية تسبقها الوقائع ولا تلحق بها؟

في هذا المشهد، لا يبدو أن الزمن يعمل كوسيط محايد، بل كعامل ترجيح. كل يوم يمرّ دون معالجة جذرية لا يترك الأمور كما هي، بل يدفعها خطوة إضافية نحو واقع أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للفصل أو إعادة الترتيب.

وهكذا، لا تكون المعضلة في غياب الحلول فقط، بل في تضاؤل إمكانية العودة إلى نقطة يمكن عندها البحث عن حل أصلًا. في فلسطين، لا تُقاس التحولات فقط بما يُعلن، بل بما يتغير بصمت. وربما يكون أخطر ما في المرحلة ليس ما قيل، بل ما جرى تمريره دون حاجة إلى قول.


دلالات

شارك برأيك

تصريح ترامب “إسرائيل دولة صغيرة”: كيف تُرجم على الأرض؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.