أقلام وأراء

الأربعاء 14 يناير 2026 10:57 مساءً - بتوقيت القدس

الفلسطينيون وغرينلاند: من الفكاهة إلى الخطاب السياسي"

في بعض الأحيان، تحمل الكوميديا ما هو أكثر من مجرد ضحك عابر. مشهد قصير في مسلسل The Golden Girls عام 1987، حيث تُطرح فكرة “نقل الفلسطينيين إلى غرينلاند”، يبدو للوهلة الأولى مجرد مزحة ساخرة. لكن عند إعادة النظر، تكشف هذه النكتة عن منطق سياسي أوسع: رؤية الأرض كسلعة، والبشر كعناصر يمكن إعادة توزيعها، وأفكار تُطرح اليوم على أنها مستحيلة يمكن أن تصبح غدًا قابلة للتداول في الخطاب السياسي. هذا المقال يستكشف كيف تتحول المزحة الكوميدية إلى مرآة للسياسة الكبرى، وكيف يمكن لفكرة كوميدية أن تكشف أخطر الانزلاقات الأخلاقية في التعامل مع قضايا الشعوب وحقوقها.

لم تكن الإشارة إلى نقل الفلسطينيين إلى غرينلاند، كما ظهرت في عمل كوميدي أميركي في مسلسل The Golden Girls  مجرد مزحة عابرة أو خيال ساخر منفصل عن الواقع السياسي. المشهد الذي تضمن جملة  Greenland?”  “Giving the Palestinians ظهر في الحلقة النهائية من الموسم الثاني بعنوان Empty Nests”  "، حيث قدمت شخصية جديدة اقتراحًا ساخرًا على الهواء في برنامج إذاعي لحل “أزمة الشرق الأوسط” عبر نقل الفلسطينيين إلى جزيرة غرينلاند. والغرض من المشهد كان السخرية السياسية، لكنه يكتسب اليوم معنى أوسع في سياق إعادة قراءة الخطاب السياسي.

وللصراحة، فقد رأيت هذا المشهد منذ سنوات، وكان مستغربا بالنسبة لي، وعاد إلى ذاكرتي منذ إعلانات دونالد ترمب عن نيته شراء غرينلاند، فلم أستطع إلا أن أرى علاقة ما بين الفكرتين، بين المزحة والواقع السياسي، بين السخرية والجدية الكامنة في الخطاب الرسمي. فالكوميديا، في لحظات التحول الكبرى، لا تعمل بوصفها نقيضًا للسياسة، بل بوصفها مساحتها التجريبية الأولى. هناك تُقال الأفكار قبل أن تُصاغ، وتُختبر ردود الفعل قبل أن تُقنّن المواقف. ولهذا، فإن التعامل مع هذا الطرح على أنه ضحك بلا تبعات يفوّت فهم ما هو أعمق وأخطر.

في السياق ذاته، يكتسب طلب دونالد ترمب شراء غرينلاند دلالته الأبعد من كونه تصريحًا صادمًا أو سوء تقدير دبلوماسي. ما كُشف في تلك اللحظة لم يكن جهلًا بالجغرافيا فقط، بل رؤية سياسية ترى الأرض سلعة، وترى السيادة مسألة تفاوض، وتتعامل مع وجود الشعوب بوصفه عنصرًا ثانويًا يمكن تجاوزه. لم يُطرح السؤال عن إرادة سكان غرينلاند، ولا عن تاريخهم أو حقهم في تقرير مصيرهم، بل عن جدوى الجزيرة وقيمتها الاستراتيجية. هذا المنطق، حين يُسحب على فلسطين، لا يبدو غريبًا ولا مستبعدًا، بل متّسقًا تمامًا مع ذاته.

صحيح أن كثيرًا من التحليلات سعت، وعن حق، إلى نفي وجود أي مؤامرة واقعية أو خطة عملية تستهدف ترحيل الفلسطينيين إلى غرينلاند تحديدًا، والتأكيد على استحالة هذا السيناريو سياسيًا وقانونيًا ولوجستيًا. غير أن نفي المؤامرة لا يعني نفي الفكرة، ولا ينفي أن أنماط التفكير التي تنتج مثل هذه “الخيالات” موجودة بالفعل داخل بعض دوائر صنع القرار. فالتاريخ القريب يعلّمنا أن الأفكار التي وُصفت يومًا بالجنونية أو غير القابلة للتصديق لم تُقصَ دائمًا، بل أُعيد تدويرها بصيغ مختلفة حين تغيّرت الظروف.

وللنظر إلى الأمر من منظور أعمق، يمكن القول إن هذا الطرح ليس بعيدًا عن منطق المشاريع الاستعمارية والتوزيع القسري للسكان. ففكرة توطين اليهود في فلسطين، التي شكّلت الأساس التاريخي للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي وخلقت مسارًا طويلًا ومستعصيًا على الحلول، أفرزت عالمًا سياسيًا اعتاد التفكير في الأرض بوصفها حلًا، وفي البشر بوصفهم عناصر قابلة لإعادة التوزيع. واليوم، يبدو أن هذا المنطق، بعد أن استنفد نفسه، عاد في صورة معكوسة ومشوّهة، حيث يجري التلميح إلى “حل” يقوم على إعادة توطين الفلسطينيين في أماكن بعيدة وقاسية مثل غرينلاند. غير أن الأخطر من هذا الطرح الساخر أو العبثي هو ما يكشفه ضمنيًا: أن الوصول إلى “حل نهائي” للصراع، في عقول بعض المتخيلين له، لا يزال محكومًا بالمنطق ذاته الذي أنشأه أصلًا، أي البحث عن مكان بديل لشعب ما بدل الاعتراف بحقوقه حيث هو. فإذا كان توطين اليهود في فلسطين قد قُدِّم تاريخيًا كحل للمسألة اليهودية في أوروبا، فإن التفكير اليوم في ترحيل الفلسطينيين، أو حتى التلميح إلى البحث عن موطن آخر لهم، يعكس انسدادًا أخلاقيًا وسياسيًا عميقًا، حيث يُعاد إنتاج الجنون نفسه بدل تفكيكه. وهذا ضرب من الجنون وكاشف، لأنه يعيد إنتاج ذات العقلية التي ترى حقوق الإنسان مجرد متغير ثانوي أمام المخطط الجغرافي والسياسي، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على أخطار التفكير البارد والمنفصل عن الأخلاق والسيادة الشعبية.

هنا لا تعود غرينلاند مكانًا فعليًا مطروحًا، بل تتحول إلى رمز مكثف لمنطق أوسع يرى أن العالم يمكن إعادة ترتيبه إذا استعصت مشكلاته، وأن الشعوب الواقعة خارج مركز القوة قابلة للنقل أو الإزاحة متى ما عُدّ وجودها عائقًا. في هذا الإطار، تصبح السخرية وسيلة تطبيع غير مباشرة، إذ لا تطرح سؤال الشرعية الأخلاقية للتهجير، بل تكتفي بتحويله إلى مادة للضحك، وكأن الإشكال في غرابة الفكرة لا في فداحتها.

الخطورة لا تكمن في وجود خطة جاهزة، بل في أن فكرة التهجير ذاتها باتت قابلة للتداول، وقابلة للتخيّل، وقابلة للظهور في الثقافة العامة دون أن تُقابل بالرفض المبدئي القاطع. فالأفكار لا تولد سياسات دفعة واحدة، بل تمرّ بمراحل: من النكتة في مسلسل The Golden Girls، إلى النقاش الهامشي، إلى “البديل غير المثالي”، ثم إلى الخيار الذي يُطرح عند انسداد الأفق.

هذا المنطق هو ذاته الذي حكم “صفقة القرن”، حيث جرى التعامل مع القضية الفلسطينية لا باعتبارها مسألة احتلال وحقوق وتاريخ، بل كعائق إداري يمكن تجاوزه عبر حلول سكانية أو اقتصادية. في هذا التصور، لا يُنظر إلى الفلسطيني باعتباره صاحب أرض، بل مشكلة تخطيط، ولا تُرى فلسطين كقضية عدالة، بل كملف قابل لإعادة التوزيع.

وما يجعل الربط بين غرينلاند وفلسطين ضروريًا اليوم هو أن كليهما يكشفان عن تحوّل أخلاقي في الخطاب السياسي الدولي، حيث لم يعد نزع الإنسانية فضيحة، بل احتمالًا مطروحًا، يُقال أحيانًا بصراحة، وأحيانًا بسخرية، وأحيانًا باسم الواقعية السياسية.

إن أخطر ما في هذا الطرح أنه لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل يقدّم نموذجًا للتعامل مع الشعوب الأصلية وكل من يقف خارج معادلات القوة. عالم تُناقش فيه مصائر البشر كما تُناقش خرائط النفوذ، وتُقترح فيه الحلول عبر الإزاحة بدل العدالة.

لهذا، فإن الاكتفاء بوصف فكرة “Palestinians to Greenland” بأنها مزحة سيئة لا يكفي. فالمزحة هنا ليست اختراعًا من فراغ، بل انعكاسًا لمنطق قائم، قد لا يكون خطة اليوم، لكنه قد يتحول إلى تفكير الغد حين تُختبر حدود الممكن، وحين يُعاد تعريف ما هو “غير قابل للنقاش”.

وفي عالم اعتاد أن تبدأ فيه السياسات الكبرى كأفكار غير معقولة، فإن أخطر ما يمكن فعله هو الاطمئنان إلى أن الجنون، لمجرد كونه جنونًا، سيبقى خارج السياسة.

 

دلالات

شارك برأيك

الفلسطينيون وغرينلاند: من الفكاهة إلى الخطاب السياسي"

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.