أقلام وأراء

الخميس 31 يوليو 2025 9:02 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر حلّ الدولتين.. هندسة المشهد الفلسطيني تحت النار

بينما لا تزال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة مستعرة منذ أكتوبر 2023، تتكثف الجهود الدولية والإقليمية لصياغة ما بات يُعرف بـ"اليوم التالي" للعدوان. في هذا السياق، يعود الحديث عن "حل الدولتين" ليس باعتباره تسوية عادلة للصراع التاريخي، وإنما كإطار هندسي شامل لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بكل مكوّناته. هذه العودة ليست بريئة، ولا تأتي في سياق استجابة دولية لحقوق شعب محتل، بل تُستخدم كأداة لضبط الفلسطينيين سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، وربما ثقافيًا، وفق رؤية تصاغ خارج الإرادة الوطنية.

ما يُقدَّم اليوم في إطار مؤتمر "حل الدولتين" لا يرتكز على قرارات الشرعية الدولية، ولا على الحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف، بل يقوم على تصور مقيَّد ومشروط يربط بين الاعتراف بقيام الدولة الفلسطينية وبين تحولات داخلية عميقة في سلوك الحكم الفلسطيني وخطابه. الدولة هنا لا تُمنح كاستحقاق، بل تُقدَّم كمكافأة مشروطة إذا التزم الفلسطينيون بقواعد اللعبة الجديدة: الاعتراف بإسرائيل، نبذ المقاومة، وإعادة هيكلة نظامهم السياسي تحت سقف من الضوابط الدولية.

فالولايات المتحدة، رغم رفعها لشعار "حل الدولتين"، لا تُمارس أي ضغط حقيقي على إسرائيل لوقف الاستيطان أو الاعتراف بحدود الدولة الفلسطينية. واشنطن تنظر إلى إعادة تمكين السلطة الفلسطينية كوسيلة إدارية "لملء الفراغ" في غزة، شرط أن تُعاد صياغة هذه السلطة لتلائم منظور الأمن الإسرائيلي أولًا. أما إسرائيل، التي تحكمها حكومة يمينية متطرفة بزعامة بنيامين نتنياهو، فهي ترفض أصلاً فكرة الدولة الفلسطينية، وتتمسك بالسيطرة الأمنية من نهر الأردن حتى البحر. كل ما تطرحه هو سلام اقتصادي مشروط بنزع سلاح المقاومة، دون تقديم أي ضمانات سياسية أو سيادية للفلسطينيين.

في هذا الإطار، يبدو المؤتمر الجاري الترويج له وكأنه عملية هندسة معقدة تستهدف الفلسطيني كموضوع للضبط لا كشريك في التسوية. فالمطلوب أولًا إعادة إنتاج السلطة الفلسطينية ككيان إداري منزوع الدسم الوطني، يُدين الكفاح المسلح حتى في سياق مقاومة الاحتلال، ويُقصي القوى السياسية الرافضة لمسار أوسلو. وثانيًا، تسليم الشأن الأمني في غزة إلى جهة "محايدة" تقبلها إسرائيل، بما يضمن "توحيد السلاح الشرعي" وتجريم المقاومة باعتبارها إرهابًا. وثالثًا، ربط إعادة الإعمار في القطاع بمدى التزام الفلسطينيين بالشروط السياسية والأمنية، بحيث يتحول الإعمار من حقّ إنساني إلى أداة ابتزاز سياسي. ورابعًا، فرض سردية جديدة تمحو جوهر النضال الفلسطيني، تبدأ من اعتبار عملية 7 أكتوبر "مجزرة"، وتصل إلى تعديل المناهج الفلسطينية، وإلغاء مكافآت الأسرى والشهداء، وفرض تصور جديد للفلسطيني "المقبول": المطيع، غير المقاوم، المنضبط دوليًا.

الخطورة هنا لا تكمُن فقط في تقزيم مفهوم الدولة وتحويله إلى كيان ناقص السيادة، خاضع لإملاءات أمنية ومالية مشددة، بل في تغييب الرؤية التحررية واستبدالها برؤية "تنموية" توهم الفلسطينيين بأن التقدم الاقتصادي قد يُعوّض غياب الحرية. والأسوأ من ذلك أن مشروع المؤتمر يغضّ الطرف كليًا عن أطماع إسرائيل المتصاعدة في الضفة الغربية، حيث تُسابق سلطات الاحتلال الزمن لتوسيع الاستيطان، وتهويد القدس، وفرض وقائع ديمغرافية وجغرافية تقوّض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة وذات سيادة. يجري هذا في ظل هيمنة قوى دينية وقومية متطرفة تدعو صراحة لضم الضفة، وتهجير الفلسطينيين، وإنهاء أي شكل من أشكال الحكم الذاتي.

ما يُطرح الآن ليس تسوية للصراع، بل محاولة لفرض واقع جديد بقوة السلاح والسياسة والدعم الدولي. الحديث عن "دولة فلسطينية" في هذا الإطار ليس إلا غلافًا لمشروع ضبط شامل يستهدف تفكيك الهوية الوطنية الفلسطينية، وتحييد الوعي الجمعي، وخلق جيل جديد من الفلسطينيين المفصولين عن سرديتهم التاريخية والنضالية. هذا المشروع لا يعترف بقوى المقاومة كجزء من النسيج السياسي، ولا بمنظمة التحرير كإطار تمثيلي جامع، بل يُروّج لبنية سياسية هشة، تتماهى مع شروط المانحين لا مع طموحات الشعب.

في مواجهة هذا المشهد، يبدو ملحًّا إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس ديمقراطية وجامعة، تستند إلى إعادة تفعيل منظمة التحرير، وتجاوز الانقسام، ومراجعة نقدية شاملة لمسار أوسلو، الذي لم يُثمر سوى مزيد من القيد والانكشاف السياسي. ليس هناك طريق للتحرر يمكن أن يُبنى على التنازل الطوعي عن الحقّ في دحر الاحتلال، ولا يمكن لأي حلّ أن يصمد دون الاعتراف بالسيادة كحقّ لا كمنحة مشروطة. الدولة لا تُمنح بعد اجتياز اختبارات الطاعة، بل تُنتزع على أرضية الصمود والإجماع الوطني.

ما يجري الترويج له في مؤتمر حل الدولتين هو بالأساس عملية إعادة تعريف للفلسطيني، لا لتاريخه ومطالبه، بل لهويته وطبيعة وجوده. إنه مشروع تحكّم من الخارج في حاضر الفلسطينيين ومستقبلهم، تفرضه قوة الأمر الواقع، وترعاه قوى كبرى تبحث عن تهدئة دائمة لا عن عدالة غائبة. في هذا السياق، يصبح من الضروري أن لا يُنظر لهذا المؤتمر كفرصة سياسية، بل كإنذار استراتيجي يستدعي بناء موقف فلسطيني موحّد، يرفض الحلول المسقوفة بشروط الاحتلال، ويعيد الاعتبار للثوابت والكرامة الوطنية

Powered by Froala Editor

دلالات

شارك برأيك

مؤتمر حلّ الدولتين.. هندسة المشهد الفلسطيني تحت النار

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.