صهيب المزريقي
بدأ شبح المجاعة يطل بوجهه القبيح على سكان قطاع غزة المحاصر ويفتك بأطفاله واحداً تلو الآخر، وبات سكانه مقبلين على أيام حرجة بعد أن أغلقت المخابز أبوابها لنفاد الدقيق، واستنفد برنامج الأغذية العالمي إمدادات الغذاء لديه مع شُح في مياه الشرب.
ففي مشهد بات مألوفا في شوارع القطاع، يسقط فلسطينيون أرضاً ويفقدون وعيهم متأثرين بالجوع الشديد الناجم عن سياسة التجويع والحصار الإسرائيليين وإغلاق المعابر.
ففي مشهد مؤلم ومبك وأمام أعين المواطنين والكاميرا والعالم سجل في أحد شوارع مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، تجمع عدد من المارة حول سيدة في الخمسين من عمرها بعد أن سقطت أرضا فجأة، ضحية "الجوع" الذي أنهك جسدها وأجساد كافة الفئات العمرية من المواطنين.
هذا الوضع الإنساني غير المسبوق، نتاج مخطط صهيوني مكشوف الأهداف، يتجاوز خطة الجنرالات التي طرحها "غيورا آيلاند"، والذي يدعو إلى قطع المساعدات عن شمال قطاع غزة، وترويع المدنيين وتشريدهم، بحيث لا يبقى في شمال قطاع غزة إلا المقاومين، وقد أُغلقت أمامهم سبل النجاة، بحيث لا يبقى لهم إلا الموت جوعًا وعطشًا، أو الموت بالصواريخ الإسرائيلية. وفي المآل النهائي، فهدف الخطة هو القضاء على المقاومة الفلسطينية.
وهذا يندرج بالضرورة ضمن خطة صهيونية تهدف إلى اجتثاث الوجود الفلسطيني عبر الإبادة والتجويع الممنهج له.
وحتى يومنا هذا في حرب الإبادة ضد أهالي شمال قطاع غزة، فما زال الفلسطينيون صامدين فوق أرضهم، رغم مكبرات الصوت الإسرائيلية التي تطالبهم بالنزوح، ورغم الصواريخ والقذائف التي تتساقط فوق رؤوسهم.
فمرارة تجربة الفلسطينيين في النزوح من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، وما يعانونه من أهوالٍ ما زالت ماثلة أمامهم، ولا سيما بعد تواصلهم مع أقاربهم وتحذيرهم من ويلات النزوح. زد على ذلك طريق النزوح غير الآمن، والمعلق على مقصلة الموت طول المسافة.
ليقف الفلسطيني بين خيار الموت نزوحًا، أو الموت مكوثًا، فيختار حتى كتابة هذا المقال البقاء تحت البيوت المدمرة، وفي المربعات السكنية التي تباد، كخيار لا مفر منه، ولا سيما بعد أن تخلى عنهم القريب والبعيد، وتركهم مع مآسيهم المجتمع الدولي بكل منظماته الإنسانية، وخذلهم الرفيق والصديق، ولم يبقَ لهم إلا أنفسهم ومقاومتهم.
يُستخدم التجويع في فلسطين كسلاح نفسي واستعماري إحلالي بالغ الفتك، يتجاوز أثره حدود الجسد ليطال الإرادة والعقل الفلسطيني. لا يقتصر هذا العنف على تقليص أو منع وصول الموارد الغذائية، بل يمثل نمطاً من العنف المنظم الذي يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني تحت شروط القهر والعجز والتهديد الوجودي الدائم، بهدف كسر قدرة الأفراد على الصمود والبقاء. في هذا السياق، يتجلى مفهوم فوكو عن "السلطة الحيوية"، إذ تمارس السلطة الاستعمارية الصهيونية تحكماً صارماً في حدود الحياة والموت، من خلال التحكم بتدفق الموارد الأساسية وعلى رأسها الغذاء، عبر الحواجز والمعابر، وتقييد الاستيراد، وتدمير الأراضي الزراعية، واستهداف الصيادين، وحتى عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، هكذا، تُحول حياة الفلسطينيين إلى "حياة مُدارة" تعتمد على قرارات السلطة المحتلة، فيُفرض عليهم نمط من الوجود القائم على الهشاشة والاعتمادية، ما يضعف قدرتهم النفسية والمعرفية على المقاومة أو حتى تصور مستقبل مستقل.
في سياق الحرب النفسية من خلال التجويع التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين في قطاع غزة، يتحول الجسد الجائع إلى ساحة صراع غير مرئية، يُستخدم فيها التجويع كسلاح صامت لتفكيك الإرادة الفردية والجمعية. فالجوع المزمن لا يقتصر على تدهور الحالة الصحية، بل يؤدي إلى انهيار الوظائف المعرفية مثل التركيز والذاكرة واتخاذ القرار، ما يُضعف الحافز على المقاومة ويُعيد تشكيل الوعي الفلسطيني تحت الضغط القاسي للحياة اليومية.
ومع ذلك اليوم ورغم كل الأساليب الحربية المرتكزة على التصفية الجسدية بأساليب مختلفة ومتعددة منها القتل الحربي العسكري الممنهج أو بالتجويع والجسدي فإن الشعب الفلسطيني يسطر ملحمة أسطورية بطولية ضد المؤامرة الكونية التي تسعى لاجتثاث شعبنا العربي الفلسطيني وطمس هويته الطبيعية على أرضه التاريخية وإحلال جسم غريب لا صلة له بالأرض والتاريخ والهوية مكانه.
أقلام وأراء
الأربعاء 23 يوليو 2025 9:12 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
عجز الرصاص عن إنهاء الحياة.. لكن الجوع أكل ما تبقى من الكرامة العربية