أمس الأول رقصوا كالدببة وشتموا الأنبياء وسبوا العرب قاطبة من البعيد إلى القريب، ورفعوا أعلامهم وتدافعوا تحت حراسة الجنود المدججين بالعتاد والسلاح، واقتحموا المسجد الأقصى، ودنسوا المسرى، وهددوا وتوعدوا، وكانت القدس وحدها تبكي خيبة العرب، والأمة التي تعيش الوهن والضعف، وتدفن رأسها بالرمال وعورتها مفضوحة ومكشوفة، ذلًا وانكسارًا وعارًا ستخجل منه الأجيال. هذا ما حدث في القدس بالأمس، وإن كان كلامي ثقيلًا على البعض، فليعد لتلك الصور والأصوات وليشاهد ما كان في القدس بالأمس، داخل السور القديم والحوض المقدس، وعند البوابات، وفي كل شبر وكل حارة تدافعت عليها أقدام المستوطنين الأغراب.
بالأمس اجتمع القبح بأبشع صوره عند أبواب القدس، واجتمعت العنصرية والإرهاب بكل أركانها وأصواتها، فلم يكن المشهد استعراضيًا فحسب، بل استباحة لكرامة أمّة، واستعلاء متغطرسًا بكل وقاحة، وهذا ما كان ليحدث لولا هذا الصمت العربي، وهذا الضعف العربي، والهوان العربي، الذي جعل من القدس وحيدة، في عزلة عن محيطها الفلسطيني والعربي، وتحت الاحتلال الذي يستبيح كل شيء مقدس، كما يستبيح التاريخ والإنسان في حرب مستعرة، لا تفرق بين القدس وغزة ولا بين رام الله وجنين، فهذه الوحشية ذات عقيدة واحدة، وأهداف معلنة، ونصوص تلمودية تحرض على الإرهاب، والقتل، والطرد، واستباحة البلاد والعباد.
بالأمس عاشت القدس فصلًا آخر من فصول المواجهة وحدها، في تحدٍ لجبروت الاحتلال وغطرسة الجنود وإرهاب المستوطنين، وهي تحاول أن تطردهم من عتباتها وأزقتها ومن أحيائها وجدرانها، وتصفعهم بالتاريخ حينًا وبجغرافيا المكان أحيانًا، وتلازم ثباتها تحت القباب ومن فوقها، لغة وهوية، وتركلهم بالمعنى في تجلي الحقيقة، وهي تسير من زمن إلى زمن تخبئ أسرارها وتحرس اسمها ورسمها، وتتركك في البال ألف سؤال؛ ولا أحد يجيب. لماذا هذا التخلي؟
إن مسيرة الأعلام التي حدثت أمس الأول وما رافقها من شعارات وتصريحات وشتائم، تعبر عن فصل آخر من فصول العربدة والإرهاب، وهي استمرار لعنجهية الاحتلال الذي لا يبالي بالقوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن، بل لا يعترف بها، وهو يواصل احتلاله للمدينة المقدسة غير آبه بشيء، وغير مكترثٍ بالعرب الذين يشهدون واقع القدس المحتلة، ولا يتحركون لنصرتها، بل سمعوا بالأمس كيف لوث المستوطنون المدينة برقصاتهم الغريبة وأصواتهم البذيئة وشعارات العنصرية.
ما حدث بالأمس هو تكريسٌ لواقع التطرف الأعمى والإرهاب المستمر، وامتدادٌ للإبادة الجماعية في غزة، والتهويد الحاصل في القدس والضفة، وفق خطط حكومة نتنياهو التي أعلنت عنها مرارًا، وتسعى لتكريسها وتنفيذها مستفيدة من الدعم الأمريكي، وحالة الصمت الدولي والعربي. وأمام ذلك كله، تبقى القدس وحدها، ويبقى الفلسطينيون وحدهم في مواجهة سياسات الإبادة والتهجير والتهويد.
أقلام وأراء
الخميس 29 مايو 2025 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
القدس تواجه أحقاد المستوطنين وحدها