الطبقة التي كادت أن تُنسى: هل تكون الطبقة الوسطى مفتاح نهضة فلسطين؟

الطبقة التي كادت أن تُنسى: هل تكون الطبقة الوسطى مفتاح نهضة فلسطين؟

بقلم: رامح مسمار

ذات يوم، لم يكن في نابلس من لا يعرف عائلة طوقان، ولا في القدس من لم يتعامل مع البنك العربي، ولا في غزة من لم يسمع عن عيادة يديرها طبيب درس في بيروت أو القاهرة. هؤلاء جميعًا لم يكونوا من النخبة السياسية، ولا من الطبقات الغنية المترفة، بل من قلب الطبقة الوسطى الفلسطينية — تلك الطبقة التي لطالما مثّلت عصب المجتمع، وجسرًا بين الفقر والغنى، وبين الجمود والتغيير.

لكن، ما الذي جرى لهذه الطبقة؟ وأين اختفت مكانتها؟ وهل يمكن أن تعود لتلعب دورًا مفصليًا في مستقبل فلسطين السياسي والاقتصادي؟

من بيسان إلى الخليج: قصة صعود
مع بدايات القرن العشرين، بدأت تظهر ملامح الطبقة الوسطى في المدن الفلسطينية الكبرى، مستفيدة من التعليم الحديث، والانفتاح الاقتصادي خلال فترة الانتداب البريطاني. ظهرت طبقة من المحامين، المعلمين، الأطباء، وأصحاب المشاريع الزراعية والصناعية. وعشية النكبة عام 1948، كان لهذه الطبقة حضور اقتصادي ومؤسسي لافت، حيث شاركت في تأسيس المدارس، المستشفيات، والبنوك، وأسهمت في تكوين الوعي الوطني الفلسطيني.

ومع النكبة، تبعثرت هذه الطبقة، لكن لم تنكسر. فسرعان ما عادت للظهور في بيروت، عمّان، والخليج. أسّس يوسف بيضَس بنك الإنماء العربي، ونقلت عائلة شومان مقر البنك العربي إلى عمان، وواصلت العشرات من الأسر الفلسطينية بناء حياة جديدة، دون أن تنفصل عن قضيتها.

الانهيار البطيء: ما بعد أوسلو
مع قدوم السلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو، عاد كثيرون من الشتات إلى الوطن، حاملين خبرات ورؤى حديثة. تعزّز دور الطبقة الوسطى مرة أخرى، خصوصًا في التعليم، الصحة، والخدمات العامة. إلا أن الحلم سرعان ما بدأ يتآكل. الاحتلال، الانقسام السياسي، الفساد، والاعتماد المفرط على التمويل الخارجي، كلها عوامل أدّت إلى تقويض أسس هذه الطبقة.

تقول الإحصائيات إن الطبقة الوسطى شكّلت قرابة ثلث السكان في 2020، لكن حرب غزة الأخيرة والانهيار الاقتصادي في 2023 و2024 أديا إلى تراجع كبير. أكثر من 306,000 وظيفة فُقدت في الضفة، وقرابة 200,000 في غزة، بحسب تقارير UNCTAD. ومعها، تراجعت أحلام آلاف العائلات التي كانت ترى في التعليم والعمل الحكومي سلّمًا للارتقاء.

طبقة عالقة بين المطرقة والسندان
الطبقة الوسطى الفلسطينية تجد نفسها اليوم بين سندان الانهيار الاقتصادي، ومطرقة الجمود السياسي. فهي متعلمة، منفتحة، وتحمل طموحات التغيير، لكنها محرومة من أدوات الفعل السياسي، ومقيدة في حركتها داخل وخارج البلاد.

فهل يُعقل أن تستمر هذه الطبقة، التي بنت مستشفيات وجامعات ومؤسسات اقتصادية كبرى، خارج معادلة القرار الوطني؟ وهل يمكن بناء مستقبل فلسطيني مستقر دون إشراك من يملكون المعرفة، الخبرة، والإرادة؟

فرصة العودة: هل تكون التنمية مدخلًا للتحول؟
رغم التحديات، تلوح في الأفق فرص حقيقية لعودة الطبقة الوسطى إلى موقعها الطبيعي كمحرك للتنمية والديمقراطية. فمبادرات مثل "خارطة الطريق للتمويل المستدام" من سلطة النقد الفلسطينية، والمشروعات الأوروبية الخضراء، وبرامج الأمم المتحدة، كلها توفر منصات جديدة يمكن أن تستفيد منها هذه الطبقة لتفعيل دورها.

الشرط؟ تمكينها اقتصاديًا، وحمايتها من الانزلاق إلى الفقر، وإشراكها في صناعة القرار. دعم ريادة الأعمال الخضراء، وتعزيز الحوكمة المحلية، وتحفيز المشاركة المدنية، كلها أدوات لخلق بيئة تمكّن هذه الطبقة من المساهمة في بناء نظام سياسي ديمقراطي، واقتصاد متنوع ومستدام.

انتقال السلطة: مأزق القيادة وفرصة الإصلاح
أحد أخطر مظاهر التآكل المؤسسي في فلسطين هو غياب آليات واضحة لانتقال السلطة. ومع تقدم القيادات السياسية في السن، تزداد المخاوف من فراغ دستوري وأزمات شرعية. هنا، يمكن أن تلعب الطبقة الوسطى دورًا محوريًا في الدفع نحو إصلاح سياسي يضمن التداول السلمي للسلطة، من خلال دعم إنشاء مفوضيات انتخابية مستقلة، وتفعيل دور النقابات والجمعيات المهنية، والمشاركة في صياغة قانون أحزاب حديث.

الختام: لا تنمية دون طبقة وسطى فاعلة
الطبقة الوسطى ليست مجرد مؤشر اقتصادي، بل هي عمود فقري للاستقرار السياسي والاجتماعي. إن إحياء دورها لا يعني فقط تحسين أوضاعها المعيشية، بل يعني أيضًا إعادة التوازن للمجتمع، وضخ الدماء في مؤسسات تعاني الجمود، وفتح الأفق أمام انتقال سلمي للسلطة.

فلنعطِ هذه الطبقة حقها في المشاركة، ولنراهن على علمها وخبرتها، فهي – برغم الجراح – لا تزال تملك مفاتيح الغد.

780 مشاهدة
0 تعليق
رامح مسمار

بقلم

رامح مسمار

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

الطبقة التي كادت أن تُنسى: هل تكون الطبقة الوسطى مفتاح نهضة فلسطين؟