رسالة الى صديقي رامي "من جنين القسام الى غزة هاشم"

رسالة الى صديقي رامي "من جنين القسام الى غزة هاشم"

رسالة الى صديقي رامي "من جنين القسام الى غزة هاشم" / بقلم الفيلسوف والمفكر الإسلامي م.محمد نبيل كبها

لأكتوبر حكاية غريبة معي، ويبدو أنها قصّة لم تنته! فعندما أتممتُ المرحلة الثانوية في وطني فلسطين في مدينتي جنين، كان القدر قد قال كلمته بأن أتلقى تعليمي الجامعي في جامعة 6 أكتوبر في جمهورية مصر العربية.

وبالمناسبة، المدينة وكذلك الجامعة تم تسميتهم بهذا الاسم تخليداً للانتصار الذي حقّقه المصريون في السادس من شهر أكتوبر عام 1973م، في حرب شنتها كل من مصر وسوريا في وقتٍ واحدٍ على إسرائيل في ذلك العام، وهي تعد رابع الحروب العربية الإسرائيلية، أما الأولى فقد كانت حربنا الفلسطينية معهم في عام النكبة 1948م، وهي أول حروب العرب مع إسرائيل، حيث دارت عقب انتهاء الانتداب البريطاني على الأراضي الفلسطينية وإعلان قيام إسرائيل.

بوجه الاجمال.. كنت أعيش بدون أصدقاء قبل أن أنتقل إلى مصر، لاعتقادي أن هذا الزمن هو زمن سحابة عريضة أمطرت معارف كثر وأغرقت مفهوم الصديق، معظمهم يلبس ثوب الصداقة هذه الأيام، ثم يخلعهُ ويحطم الثوابت والروابط عند أول مطب بينك وبينه! فيلقيك في لعبة المشاعر، ويهجرك تائها ضائعا تلاحق الذكريات! ومن هو الصديق إن لم يكن في الموعد؟! لذلك أنا زاهد في اتخاذ الأصدقاء، ويبدو أن ما قاله الفيلسوف اليوناني "أرسطو" صحيح، حيث كتب يقول: "إن من لم يعد صديقا لك، لم يكن صديقا أبدا".

لقد تخصصت بفرع هندسة الحاسبات في الجامعة، وهناك تعرّفت على زميل لي اسمه "رامي الحويطي" وهو من سكان مدينة غزة، لم تتعدى خطوتي اتجاهه سقف الزمالة في البداية، ولكن مع الأيام أدركت أنه تحفة جمالية وأخلاقية تزداد قيمتها كلما مضى عليها الزمن، فنشأت بيننا علاقة وطيدة تعدت سقف الزمالة إلى الصداقة.

كان التّلاقِ في مصر، حيث أنه لا يمكننا أن نجتمع في وطننا فلسطين، فأنا من جنين في الضفة الغربية، وهو من غزة ويعيش فيها، نقطن في وطن واحد، ولكن تحجبنا عن رؤية بعضنا الحواجز الإسرائيلية، والجيبات والمدرعات العسكرية، وجدار الفصل العنصري، والمعابر، والبوابات الحديدية، لذلك كنّا نلتقِ في مصر.

إن الاحتلال في وطني فلسطين يحكم قبضته على جميع نواحي الحياة، فماذا تقول في حيوان أمريكا الذي يضع حاجزاً بين شاب من جنين وأخوه من غزة! الحال يمكن وصفه كطيور حزينة لا تستطيع أن تحلق في السماء.

أجمل 5 أعوام في حياتي هي التي قضيتها بصحبة رامي أثناء المرحلة الجامعيّة، ولكن لكل بداية نهاية، فقد تخرجنا من الجامعة وغادرنا مصر، وعدنا إلى حبيبتنا فلسطين، وآب كل منا إلى مسقطه.
لم أخرج من مصر سوى بعدد شحيح من الأصدقاء، ومن جملتهم رامي، والذي كان رحلة عجيبة في معناها ومضمونها لا تنتهي!

انجذّت رؤيتنا بسبب وضع فلسطين السياسي والجغرافي، كون الاحتلال الإسرائيلي كما أسلفت سابقا يبرك ويجثم على صدورنا، ولكن لم ينقطع صوتنا، فقد كنا نواظب الاتصال ببعضنا أسبوعيّا تقريباً، واستمرت أخوّتنا من عام 2002م إلى الآن.

لكن يعود أكتوبر برواية جديدة معي ومع صديقي رامي لم تنجز فصولها بعد، حكاية حرب ساغبة تخفي في جعبتها آلاف الحكايات، فالجميع يعلم أنه في يوم السبت الموافق السابع من أكتوبر عام 2023 م بدأت حرب جديدة على غزة، قتل فيها من قتل، وأصيب من أصيب، وفقد من فقد، ولا عجب، فكل الحروب تشبه بعضها هناك.

رامي الذي عاصر ستة حروب على غزّة "2008، 2012، 2014، 2019، 2021، 2022"؛ كانت لكل جولة حربية حكاية معه شجّت فيه جزءاً، أو سرقت منه قريباً، أو محت له حبيباً، وها هو الآن في موعد مع محفلٍ جديد وحرب سابعة.

ما فَتِئَ المسكين بعدُ أن يلملم شتاته ويعيد بناء حياتهِ، ولا زال يتجرع ألم الحروب الستة الماضية على جميع الأصعدة، وأطفاله "خالد، وإيفانا" اللذان فتحا أعينهما في بلد تأكلها آلة الحرب الإسرائيلية، فترعرعا تحت حصار حرمهم من طفولتهم وأدنى حقوقهم، وأما زوجته الحامل فقد كانت تعاني من ألمين، ألم الحرب، وألم حملها في طفل لا ذنب له، ولا يعلم ما الذي ينتظره، فهو في أيامه الأخيرة التي سيخرج فيها على عتبة الرصيف، ويستنشق دخان هذه الحرب!

والمعظم في غزة يشبه رامي، هاتفت رامي ليطمئن قلبي عليه، كنت قلقاً أن أفقد خليلي، رد علي بكلمات حزينة جدا: "إن الحرب شقيقتنا الكبرى"، كانت رائحة الدماء والموت تفوح من كلماته، وكان يتمنى أن يكون ذلك كابوساً قصيراً وينتهي.

رامي قُصف بيته، وفقد من عائلته الكثير، ونزح ثلاث مرات، وخلال حرب السابع من أكتوبر والتي مضى عليها أكثر من عامين كنت مُواظبا على الاتصال به، ولكن ماذا تقول في مسخ ملعون ومسلسله المستمر في سفك الدماء!؟ لقد قامت طائرات الاحتلال الإسرائيلي بهجوم عنيف على مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، حيث يقيم صديقي رامي وعائلته، مما أدى إلى انعدام كل مقومات الحياة هناك، وانقطع على إثرها الاتصال بيني وبين خليلي، ولا أعلم هل هو على قيد الحياة أم لا؟

صديقي رامي، أرسل لك كلماتي هذه من جنين إلى غزة، من بلد يحبسها الاحتلال إلى أخرى يأكلها، فيها عزاءٌ يحجب النفس المتعبة والمرهقة من كثرة رؤية الأشلاء، فترى ذلك الشاعر يبث شعرهُ، وينثر ذلك الكاتب خطّهُ، وذلك الصحفي صوتهُ، وتنطلق فيها يدي لترسل لك هذه الرسالة.

إن الموت يا صديقي يتجسد في أحداث الحكايات المختلفة على أرض فلسطين، حكايات صغيرة وقعت لا نعلم تفاصيلها ولا ندري عنها شيئاً، ولكن المؤكد أن كرسي المسؤول هو حصيلة هذه الحكايات، دماء الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجلنا جميعا، محصوله هو ثمن أن يكون هناك فلسطيني، وأن تكون هناك أرض اسمها "فلسطين"، فلا يغفل الفلسطيني أنه في الحقيقة ثائر قبل كل هذا، وأنه في الحقيقة شهيد على قائمة الانتظار..

رامي.. إن الحرب لغة هذا المسخ، وهو لا يفرق بين شخص ولا عرق ولا دم ولا حزب ولا دين عند انقضاضه وافتراسه، كلنا مستهدف على لائحته، وحيوان أمريكا يفعل كل هذا لسبب بسيط جدا، لأنه ليس له تاريخ ولا جغرافيا..

إن وصلتك رسالتي هذه فتذكر يا رامي أن زيتونتنا لن تقتلعها دلّوعة أمريكا، وتذكر أنها تتوعدنا بما نريده ونطلبه وهو لقاء الله سبحانه وتعالى، وإلى أن ألقاك يا صديقي عند الرحمن سأفتقدك جداً، وأتمنى وأسأل الله عز وجل من كل قلبي أن تكون على قيد الحياة أنت وعائلتك، وأعلم أنك قوي يا بن غزة، وستخرج بإذن الله من هذه الحرب على قيد الحياة للمرّة السابعة، لتروي لي تفاصيل حكاية السابع من أكتوبر.

قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (الآية رقم 142 من سورة آل عمران)

بقلم الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني م.محمد نبيل كبها
عضو الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، والعرب، ومنتدى الكتاب العربي، والاتحاد الدولي للمثقفين العرب، ومنظمات السلام العالمية، وجامعات العلوم والبحوث والثقافة

22 مشاهدة
0 تعليق
محمد نبيل كبها

بقلم

محمد نبيل كبها

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

رسالة الى صديقي رامي "من جنين القسام الى غزة هاشم"