ولاية الإمام علي أو الهلاك

ولاية الإمام علي أو الهلاك

إلى اليوم، لم نجد طرفاً آخر ثالث في الصراع فيما يخص الإمام علي عليه السلام، فإما علي أو أعداء علي، وبمجرد أن ينحرف المرء عن وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعرض عن ولاية علي حتى تراه ينحاز تلقائياً للأسماء المعروفة ببغضها لعلي عليه السلام، وهكذا هي طبيعة الكون، إما مع الحق أو مع الباطل ولا ثالث بينهما.
وقد ارتبط اسم الإمام علي -عليه السلام- بالحق المطلق؛ فقال عنه النبي: (علي مع الحق والحق مع علي)، و(علي مع القرآن والقرآن مع علي)، و(لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق)، و(أنت مني بمنزلة هارون من موسى)، وغيرها الكثير مما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في فضائل الإمام علي -عليه السلام-.
والأهم هو أن البغض للنبي يتجلى في العداء الصريح لوصيه وباب مدينة علمه؛ فقد ينافق المرء ويزعم حبه للرسول، لكنه يرى أن علياً لا يستحق حتى هذا النفاق. وكذلك هي سُنَّة المخالفين في كل الأزمنة والعصور، بمن فيهم الذين خالفوا أمر النبي في السقيفة؛ فلو كانوا يقدسون النبي لقدسوا أوامره، ولكن نظرتهم للدين كانت قاصرة؛ فلم يروا في رسول الله سوى ملك أو حاكم، ورأوا أنهم قد أنصفوه بما يكفي عندما بايعوه، وحان الوقت من بعده لتقاسم السلطة.

والانزياح عن خط الإمام علي -عليه السلام- كان إيذاناً ببدء عصر "تقديس الأشخاص" على حساب "تقديس الحق". فقد سعت النخب التي أعقبت رحيل الرسول إلى بناء سياجٍ من القداسة حول أفعالهم، ليواروا به سوءات الصراع على الحكم؛ فصار النقد التاريخي لديهم "هرطقة"، والبحث عن الحق "خروجاً عن الجماعة"، حتى غدت "الجماعة" نفسها هي الصنم الذي يُعبد، بدلاً من أن تكون الحقائق هي الميزان.
وتلك السُنَّة في تحريف البوصلة لم تتوقف عند السقيفة؛ فقد امتدت لتصبح هيكلاً فكرياً كاملاً. حيث وُظفت النصوص وكُيفت وحتى صُنعت لتسويغِ ما لا يُسوَّغ، فصار التاريخ الذي كُتب بأيدي المنتصرين قرآناً موازياً يُقدس، وصار الإمام علي -عليه السلام- الذي كان هو "القرآن الناطق" يُعزل في زاوية التهميش أو يُحاصر بالصمت، لأن وجوده يمثل -في حد ذاته- إدانةً دائمة لكل من وضعوا مصلحتهم فوق وصية النبي، وحكمهم فوق عدالة الله.
والواقع أن هؤلاء الذين يرفعون شعار "الصحابة أجمعين" قد وقعوا في فخ "الإجماع المُصطنع". لإنهم يخشون المواجهة الحقيقية مع النصوص، ويخشون أن يكتشفوا أنهم قد بنوا عقيدتهم على رمالٍ متحركة؛ فالمؤمن الحقيقي هو الذي يمتلك شجاعة التفكيك، وشجاعة أن يقول للخطأ: "أنت خطأ"، حتى لو كان هذا الخطأ مرتدياً ثوب الصحبة أو مرتدياً عمامة الفقه؛ فالميزان الذي تركه النبي بين أيدينا هو القرآن وعترة الرسول، وما خالفهما فهو إلى الزوال.
وبالتالي فإنَّ نقد هذه "الأصنام البشرية" هو الخطوة الأولى نحو تحرير العقل المسلم من أسر الجمود. فالمسألة ليست في التاريخ وحده، بل في "عقلية التسليم المطلق" التي جعلت من الأمة عرضةً لانتهاك حقوقها باسم الدين. فمن يعجز عن نقد صحابيٍ أخطأ، أو إمامٍ ضل، كيف له أن يواجه الطغاة اليوم؟ فالاستبداد يبدأ من تقديس البشر، وينتهي بتأليه الحاكم، والسبيل الوحيد للنجاة هو أن نضع "الحق" في مكانه الصحيح: فوق الجميع، ودون استثناء.
والغريب أن استدعاء ذكر الإمام علي عليه السلام يهدم كل تلك العقائد المصطنعة، وهذا في حد ذاته آية من آيات الله، لآن الإمام علي عليه السلام كان المؤمن المتكامل والذي لا يشوب إيمانه ولا تاريخه أي شائبه، وحتى في عصرنا الراهن فإن أهم اسم يجب أن نستحضره في خطابنا الديني أو السياسي هو اسم علي لأنه القدوة في النصر على أعداء اليوم، وحتى في ذكر اسمه ما يغيظ الأعداء ويربك حساباتهم كافة.
وكما قال الشيخ المصري الراحل عبدالحميد كشك: "فإن الأمة لن تنتصر على العدو الإسرائيلي إلا برجال من أمثال الإمام علي) وقد صدق في توصيفه وتشخيصه لحال الأمة، لأنه الاسم الذي أثبت ولاءه لله ورسوله وكان سيف الإسلام الضارب في مواجهة الأعداء وأولهم أهل الكتاب، وكان في الوقت ذاته متواضعاً مع المسلمين وغافراً لزلاتهم، ومثل هذه الصفات لا نراها اليوم إلا في القيادة الطاهرة من آل البيت، وأولهم السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي حفظه، فهو حيدر العصر، وعلى يديه تنجلي كربة الأمة، كما أن في الإعراض عنه الهلاك والذلة، وقد رأينا خونة البلاد كيف تعرضوا لكل أصناف الإذلال على يد الأنظمة العميلة بينما أنصار السيد هم نفسهم أنصار الحق ويراهم العدو كما تراهم الأمة كباراً شامخين في وجه العدو ولا يضرهم خذلان من خذلهم.

38 مشاهدة
0 تعليق
محمد محسن الجوهري

بقلم

محمد محسن الجوهري

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

ولاية الإمام علي أو الهلاك