بين أزمة الشرعية وخطر المشروع الإسرائيلي: هل يحتاج النظام السياسي الفلسطيني إلى مراجعة شاملة؟

بين أزمة الشرعية وخطر المشروع الإسرائيلي: هل يحتاج النظام السياسي الفلسطيني إلى مراجعة شاملة؟

تعيش الحالة الفلسطينية واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً وخطورة منذ عقود، ليس فقط بسبب الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، ولا بسبب التصعيد غير المسبوق في الضفة الغربية، وإنما أيضاً بفعل أزمة داخلية فلسطينية باتت تفرض نفسها بقوة على المشهد الوطني، عنوانها الأبرز غياب المراجعة السياسية العميقة، واستمرار الرهان على خيارات أثبتت الوقائع فشلها في حماية الحقوق الوطنية أو وقف المشروع الإسرائيلي المتسارع.
في الوقت الذي تشهد فيه غزة حرباً مدمرة تستهدف الإنسان والحجر والبنية المجتمعية بأكملها، وفي الوقت الذي تتعرض فيه الضفة الغربية لهجمة استيطانية واسعة تشمل مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وتصعيد اعتداءات المستوطنين، ومحاولات تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتحويل المدن والقرى إلى مناطق معزولة ومحاصرة، يبدو المشهد السياسي الفلسطيني وكأنه يتحرك خارج إيقاع اللحظة التاريخية التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
لا تزال السلطة الفلسطينية تتمسك بخيارات سياسية قديمة، وتواصل الرهان على مسارات تفاوضية فقدت قدرتها على تحقيق أي اختراق حقيقي، بينما تتآكل الوقائع على الأرض يوماً بعد يوم، كما أن استمرار التعويل على الوسيط الأميركي الشريك للاحتلال رغم التجارب الطويلة معه ، واستمرار التمسك باتفاقات سياسية لم تعد قادرة على حماية الحد الأدنى من الحقوق الوطنية، يثير أسئلة متزايدة داخل الشارع الفلسطيني حول جدوى هذا المسار ومستقبله.
وفي موازاة ذلك، تتفاقم أزمة النظام السياسي الفلسطيني الداخلية، في ظل اتهامات تتعلق بغياب التجديد الديمقراطي والاقصاء ، والتفرد بالسلطة ، وتعطيل أدوات المساءلة والمحاسبة، وتراجع المشاركة السياسية، واستمرار حالة الانقسام، بما أدى إلى اتساع فجوة الثقة بين الشارع الفلسطيني والمؤسسات الرسمية.
أصبح المشهد أكثر تعقيداً مع شعور قطاعات واسعة من الفلسطينيين بأن المؤسسة السياسية تعيد إنتاج ذاتها دون مراجعة حقيقية للتجربة، ودون تقييم جاد للمسارات التي سادت خلال العقود الماضية، وكأن الأحداث الكبرى التي مرت بها القضية الفلسطينية، بكل ما حملته من تحولات ومتغيرات، لم تكن كافية لفتح نقاش وطني واسع حول شكل المرحلة المقبلة وأدوات العمل الوطني المطلوبة.
في المقابل، تتحرك إسرائيل وفق استراتيجية واضحة تقوم على استغلال الانقسام الفلسطيني، وإضعاف البنية الوطنية الجامعة، وفرض وقائع ميدانية جديدة تجعل إقامة دولة فلسطينية أكثر صعوبة، عبر الاستيطان، والسيطرة على الأراضي، وتقويض أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني متصل جغرافياً وقادر على الحياة.
الأخطر من ذلك أن الخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي، في كثير من مراحله، بات أقرب إلى خطاب رد الفعل، أو تقديم الشكاوى والرهان على التحركات الدولية وحدها، بدلاً من بناء خطاب تحرري يمتلك أدوات ضغط حقيقية، ويطرح رؤية وطنية واضحة تستند إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي، وتوحيد الجهد الفلسطيني، وتعزيز عناصر الصمود الوطني.
إن حركات التحرر الوطني عبر التاريخ لم تستطع الاستمرار أو تحقيق أهدافها دون مراجعات داخلية مستمرة، ودون القدرة على النقد الذاتي وتصحيح المسار، أما الجمود السياسي، والإصرار على الأدوات ذاتها رغم تغير الظروف، فإنه غالباً ما يقود إلى مزيد من الأزمات والتراجع.
القضية الفلسطينية اليوم تواجه تحديات تتجاوز حدود الخلافات التقليدية أو الحسابات الفصائلية الضيقة، لأنها باتت ترتبط بمستقبل الوجود الفلسطيني نفسه، سواء في غزة التي تواجه حرباً مدمرة، أو في الضفة الغربية التي تتعرض لمحاولات إعادة تشكيل جغرافيتها وديمغرافيتها وسياستها بصورة غير مسبوقة.
لهذا تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة وطنية شاملة، تعيد بناء الأولويات، وتفتح المجال أمام المساءلة السياسية، وتجديد الشرعيات، واستعادة الثقة الشعبية، وصياغة خطاب وطني يعبر عن طبيعة المرحلة وحجم التحديات.
فالشعوب التي تواجه مشاريع اقتلاع وتفكيك لا تستطيع أن تدير معاركها بالعقلية ذاتها التي أوصلتها إلى أزماتها، ولا يمكنها مواجهة أخطر التحديات التاريخية دون مراجعة شجاعة تعيد تصويب البوصلة الوطنية قبل أن يصبح الوقت أكثر كلفة وتعقيداً.
فلم تعد القضية الفلسطينية تقف أمام اختبار سياسي عابر، بل أمام لحظة مفصلية تفرض إعادة تعريف الأولويات الوطنية وأدوات الاشتباك مع الواقع القائم، فحين تتغير طبيعة التهديدات وتتسارع المشاريع الهادفة إلى تصفية الحقوق الفلسطينية، يصبح الجمود السياسي عبئاً إضافياً لا يقل خطورة عن التحديات الخارجية نفسها، وبين شعب يدفع أثماناً باهظة من دمه وأرضه ومستقبله، وواقع إقليمي ودولي شديد التحول، تبقى المسؤولية الوطنية مرهونة بالقدرة على إنتاج رؤية جديدة أكثر ارتباطاً بإرادة الناس، وأكثر قدرة على حماية الثوابت الوطنية، لأن الشعوب التي تمتلك إرادة البقاء لا تُهزم حين تتعرض للخطر، بل حين تعجز عن قراءة اللحظة التاريخية والاستجابة لمتطلباتها.

125 مشاهدة
0 تعليق
اسماعيل جمعه الريماوي

بقلم

اسماعيل جمعه الريماوي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

بين أزمة الشرعية وخطر المشروع الإسرائيلي: هل يحتاج النظام السياسي الفلسطيني إلى مراجعة شاملة؟