لم تعد إسرائيل تخفي رؤيتها الحقيقية تجاه الضفة الغربية، فالتصريحات التي يطلقها وزراء اليمين المتطرف، وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش، تكشف بوضوح أن الحديث لم يعد يدور حول “حل سياسي” أو “تسوية مستقبلية”، بل حول مشروع استعماري متكامل يهدف إلى ابتلاع الضفة الغربية بالكامل، وتحويلها إلى جزء عضوي من الكيان الإسرائيلي، مع إبقاء الفلسطينيين في حالة من العزل والسيطرة الأمنية الدائمة.
في العقل السياسي الإسرائيلي، لا تُعامل الضفة الغربية بوصفها أرضا محتلة وفق القانون الدولي، بل باعتبارها “يهودا والسامرة”، أي الامتداد التاريخي والعقائدي لما يسمى “أرض إسرائيل الكبرى”، ومن هنا، فإن المشروع الإسرائيلي الحالي لا يقتصر على توسيع المستوطنات، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية بما يجعل قيام دولة فلسطينية أمرا مستحيلا.
إسرائيل تدرك أن السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان مستقبل المشروع الصهيوني، ولذلك تعمل على خلق وقائع ميدانية لا يمكن التراجع عنها، فشبكات الطرق الالتفافية، والحواجز العسكرية، والبوابات الحديدية، والجدران العازلة، لم تعد مجرد أدوات أمنية مؤقتة، بل أصبحت بنية دائمة لإعادة هندسة الضفة الغربية وتحويلها إلى جزر فلسطينية معزولة، منفصلة عن بعضها البعض، ومحاطة بالمستوطنات والقواعد العسكرية من كل جانب.
وفي الوقت ذاته، يجري توسيع المستوطنات بوتيرة غير مسبوقة، ليس فقط لتأمين وجود استيطاني أكبر، بل لنقل مركز الثقل السكاني اليهودي تدريجيا من الساحل إلى الداخل الفلسطيني المحتل، فالمشروع الإسرائيلي المستقبلي يقوم على تحويل مدن مثل الخليل ونابلس إلى فضاءات استيطانية شبيهة بما حدث في يافا وحيفا والقدس الغربية بعد النكبة، حيث يصبح الفلسطيني مجرد أقلية محاصرة داخل محيط يهودي واسع.
الاحتلال يدرك أيضا أن الزمن عنصر حاسم، ولذلك يسابق الوقت مستفيدا من الحرب على غزة والتصعيد مع إيران، والانشغال الدولي، والانقسام الفلسطيني، من أجل فرض أكبر قدر ممكن من الوقائع الجديدة، ولهذا شهدت الضفة الغربية، وخصوصا القدس، تصعيدا غير مسبوق في عمليات الهدم والمصادرة والتهجير، في محاولة لكسر الوجود الفلسطيني ودفع السكان نحو الرحيل القسري البطيء.
أما السيناريوهات الإسرائيلية المطروحة، فهي تختلف في الشكل لكنها تتفق في الجوهر، فسواء جرى ضم غور الأردن، أو ضم مناطق واسعة من مناطق “ج”، أو الاكتفاء بضم الكتل الاستيطانية الكبرى، فإن النتيجة النهائية واحدة: تقليص الوجود الفلسطيني إلى كانتونات معزولة فاقدة للسيادة، مع إبقاء السيطرة الأمنية والاقتصادية والحدودية بيد إسرائيل بالكامل.
وفي هذا السياق، يبدو أن الاحتلال يسعى إلى إنتاج نموذج جديد من الفصل العنصري، حيث يتمتع المستوطن الإسرائيلي بكامل حقوق المواطنة والحركة والبنية التحتية، بينما يُترك الفلسطيني داخل معازل محاصرة، خاضعة للتفتيش والمراقبة والقيود العسكرية الدائمة، إنه نظام لا يقوم فقط على الاحتلال، بل على إعادة تعريف الفلسطيني باعتباره “سكانا فائضين” يمكن التحكم بهم دون منحهم أي حقوق سياسية حقيقية.
الأخطر في المشروع الإسرائيلي أنه لا يراهن فقط على القوة العسكرية، بل على إنهاك الفلسطيني نفسيا واقتصاديا واجتماعيا، بحيث يصبح التهجير “خيارا قسريا” تدفع إليه الظروف المعيشية القاسية، فالاحتلال يدرك أن تهجير الناس لا يتم دائما عبر الطرد المباشر، بل عبر تحويل الحياة اليومية إلى جحيم مستمر يدفع الإنسان إلى الرحيل بحثا عن البقاء.
ومع صعود اليمين الديني والقومي المتطرف داخل إسرائيل، بات الحديث عن ضم الضفة الغربية أكثر جرأة وعلنية من أي وقت مضى، فالقوى الحاكمة لم تعد تخشى المجتمع الدولي، ولا ترى في الاتفاقيات السابقة أي التزام ملزم، بل تعتبر أن اللحظة الحالية تمثل فرصة تاريخية لإنهاء القضية الفلسطينية جغرافيا وسياسيا.
لكن رغم كل ذلك، تبقى الضفة الغربية أكثر من مجرد أرض في الحسابات الإسرائيلية؛ إنها قلب الصراع الحقيقي، والمعركة التي ستحدد مستقبل فلسطين كلها، ولذلك فإن ما يجري اليوم ليس مجرد توسع استيطاني عابر، بل محاولة لإعادة رسم الخريطة والهوية والتاريخ، وفرض واقع استعماري دائم يقوم على اقتلاع الفلسطيني من أرضه وتحويل وجوده إلى قضية إنسانية بلا وطن ولا سيادة.
ولا يقتصر المشروع الإسرائيلي في الضفة الغربية على الخطط السياسية والخرائط النظرية، بل يتجسد يوميا عبر هجوم استيطاني واسع ومنظم يستهدف القرى والبلدات الفلسطينية بصورة غير مسبوقة، فالمستوطنون، تحت حماية الجيش الإسرائيلي ودعمه المباشر أو غير المباشر، يقودون حملات إرهاب ميداني تشمل القتل والحرق والاعتداء الجسدي وترويع السكان، إلى جانب اقتلاع الأشجار، وتخريب الأراضي الزراعية، وسرقة الممتلكات والمواشي، ومهاجمة المنازل ودور العبادة، في محاولة لتحويل الحياة الفلسطينية إلى واقع طارد لا يُحتمل، ولم تعد هذه الاعتداءات أحداثا معزولة أو ردود فعل فردية، بل أصبحت جزءا من سياسة متكاملة تهدف إلى فرض السيادة الاستيطانية بالقوة، وخلق وقائع جديدة على الأرض.
وفي موازاة هذا الإرهاب الاستيطاني، تتسارع عمليات مصادرة الأراضي وشق الطرق الالتفافية وتوسيع المستوطنات القائمة، مع إقامة بؤر استيطانية جديدة تتحول لاحقا إلى مستوطنات دائمة، بما يعكس انتقال إسرائيل من مرحلة إدارة الاحتلال إلى مرحلة حسم الصراع جغرافيا وديمغرافيا، ولذلك تصف أوساط اليمين الإسرائيلي المرحلة الحالية بأنها "عام الحسم"، أي العام الذي ينبغي فيه تكريس السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، وإغلاق الباب نهائيا أمام أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية ، وفي هذا السياق، يصبح عنف المستوطنين أداة سياسية لا تقل أهمية عن قرارات الحكومة والجيش، ضمن مشروع واحد يسعى إلى إعادة رسم الضفة الغربية على صورة الرؤية الصهيونية الأكثر تطرفا.
وفي النهاية، فإن إسرائيل لا تبني مستوطنات فقط، بل تبني مستقبلا قائما على الإلغاء الكامل للوجود الفلسطيني، غير أن التاريخ أثبت مرارا أن الشعوب قد تُهزم مؤقتا، لكنها لا تختفي، وأن الأرض التي قاومت كل مشاريع الاقتلاع طوال عقود، قادرة على إفشال أكثر المخططات تطرفا مهما بدا الاحتلال قويا ومتماسكا.
الاستيطان والإرهاب والتهجير.... الثالوث الإسرائيلي لحسم الضفة الغربية
88 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
الاستيطان والإرهاب والتهجير.... الثالوث الإسرائيلي لحسم الضفة الغربية