مع تصاعد الحديث داخل إسرائيل عن إمكانية حل الكنيست والتوجه نحو انتخابات مبكرة، تدخل الساحة السياسية الإسرائيلية مرحلة جديدة من الاضطراب والتوتر، في ظل أزمات داخلية متراكمة وحرب مفتوحة على جبهات عدة ألقت بثقلها على المجتمع الإسرائيلي ومؤسسات الدولة، فالمشهد السياسي في إسرائيل لم يعد يدور فقط حول الصراع التقليدي بين اليمين والمعارضة، بل بات مرتبطًا أيضًا بمستقبل القيادة السياسية، وشكل النظام الحاكم، وحدود قدرة الحكومة الحالية على الاستمرار في إدارة واحدة من أخطر المراحل التي تمر بها إسرائيل منذ عقود.
ورغم أن حكومة بنيامين نتنياهو لا تزال تحاول إظهار التماسك، فإن التصدعات داخل الائتلاف الحاكم أصبحت أكثر وضوحًا مع تزايد الضغوط السياسية والشعبية والعسكرية، فالحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر لم تحقق الأهداف التي وعدت بها الحكومة الإسرائيلية، كما أن حالة الاستنزاف العسكري والاقتصادي، إلى جانب تصاعد الانتقادات بشأن إدارة الحرب وملف الأسرى، دفعت أطرافًا سياسية عديدة إلى المطالبة بإعادة تشكيل المشهد السياسي عبر انتخابات جديدة.
ويأتي الحديث عن حل الكنيست في وقت تواجه فيه إسرائيل أزمة ثقة غير مسبوقة بين الشارع والمؤسسة السياسية، فالكثير من الإسرائيليين يحملون الحكومة الحالية مسؤولية الإخفاق الأمني الذي وقع في السابع من أكتوبر، ويرون أن القيادة السياسية فشلت في منع الانهيار الأمني والعسكري الذي هز صورة إسرائيل داخليًا وخارجيًا، كما أن استمرار الحرب دون حسم واضح زاد من حالة الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، وفتح الباب أمام صراعات متزايدة بين المؤسسة العسكرية والحكومة، وبين أحزاب اليمين نفسها.
وفي قلب هذه الأزمة يقف نتنياهو، الذي يحاول البقاء في السلطة بأي ثمن، مدركًا أن أي انتخابات مبكرة قد تتحول إلى معركة على مستقبله السياسي والشخصي، خاصة في ظل ملفات الفساد التي تلاحقه، والانتقادات المتزايدة لأدائه خلال الحرب، فضلًا عن التساؤلات التي أثيرت مؤخرًا حول وضعه الصحي بعد الإعلان عن إصابته بورم خبيث، لذلك يسعى نتنياهو إلى استثمار حالة الخوف الأمني داخل المجتمع الإسرائيلي، عبر تقديم نفسه باعتباره الرجل القادر على إدارة الحرب ومواجهة التحديات الإقليمية، ومحاولة إقناع الناخب الإسرائيلي بأن تغيير القيادة في هذه المرحلة قد يمثل خطرًا على استقرار إسرائيل.
في المقابل، ترى المعارضة الإسرائيلية أن اللحظة الحالية تمثل فرصة لإسقاط حكومة اليمين وإعادة تشكيل السلطة، ويحاول كل من يائير لابيد ونفتالي بينيت استثمار حالة الغضب الشعبي ضد الحكومة، إلا أن المعارضة لا تزال تعاني من أزمة قيادة وتباينات سياسية وأيديولوجية عميقة، تجعل قدرتها على تشكيل بديل قوي ومتماسك محل شك لدى كثير من المراقبين.
ومع ذلك، فإن أي انتخابات مقبلة لن تكون شبيهة بالانتخابات السابقة، لأن المزاج الإسرائيلي تغير بصورة كبيرة بعد الحرب، فقد دفعت أحداث السابع من أكتوبر قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من التطرف والتشدد والفاشية، وأعادت القضايا الأمنية والعسكرية إلى صدارة أولويات الناخب الإسرائيلي، الأمر الذي قد يمنح الأحزاب اليمينية والدينية فرصة للحفاظ على حضورها القوي، حتى في حال تراجع شعبية نتنياهو نفسه.
كما أن احتمالات حل الكنيست ترتبط أيضًا بالخلافات المتصاعدة داخل الائتلاف الحاكم، خصوصًا بشأن قانون تجنيد الحريديم، وإدارة الحرب، ومستقبل غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية، فهذه الملفات أصبحت تهدد تماسك الحكومة من الداخل، وقد تدفع بعض الأحزاب إلى الانسحاب إذا شعرت بأن استمرارها في الائتلاف سيؤثر على مستقبلها الانتخابي.
وفي حال جرت انتخابات مبكرة، فإن إسرائيل ستكون أمام معركة سياسية حاسمة قد تعيد رسم الخارطة الحزبية بالكامل، فالصراع لن يكون فقط على تشكيل الحكومة المقبلة، بل على تحديد الاتجاه الذي ستسير فيه إسرائيل خلال السنوات القادمة: هل ستواصل الانزياح أكثر نحو اليمين الديني والقومي المتطرف، أم ستنجح قوى المعارضة في إعادة إنتاج مركز سياسي جديد قادر على استعادة التوازن داخل النظام السياسي الإسرائيلي؟
لكن المؤكد أن إسرائيل، مهما كانت نتائج الانتخابات المقبلة، لن تعود كما كانت قبل السابع من أكتوبر، فالحرب كشفت حجم الانقسام الداخلي، وأضعفت صورة المؤسسة الأمنية، وعمّقت أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع، وهو ما يجعل أي حكومة قادمة أمام تحديات غير مسبوقة، في ظل منطقة تغلي بالصراعات، ومشهد إقليمي مفتوح على احتمالات التصعيد والانفجار.
في المحصلة، فإن الحرب لم تفضح فقط هشاشة المنظومة الأمنية والسياسية الإسرائيلية ، بل كشفت أيضًا التحولات الخطيرة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث يتصاعد الخطاب الفاشي والعنصري بصورة غير مسبوقة، ويتجه المجتمع أكثر نحو التطرف والكراهية والعنف، في ظل صعود قوى اليمين الديني والقومي التي باتت تدفع إسرائيل نحو مزيد من العزلة والصدام مع العالم.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة الإسرائيلية إظهار صورة القوة والثبات، تتزايد في الداخل مؤشرات القلق والانهيار، سواء عبر تصاعد الهجرة العكسية وخروج آلاف الإسرائيليين بحثًا عن الأمان والاستقرار، أو من خلال التدهور الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن الحرب والاستنزاف العسكري والأزمات السياسية المتلاحقة، كما أن صورة إسرائيل التي سعت لعقود إلى تسويق نفسها كـ"واحة ديمقراطية" تتهاوى اليوم أمام العالم، بعدما كشفت الحرب حجم الجرائم والانتهاكات وسياسات القتل والتجويع والتدمير، الأمر الذي أدى إلى تآكل شرعيتها الأخلاقية والسياسية على المستوى الدولي، وتصاعد موجات الغضب والعزلة والمقاطعة ضدها في مختلف دول العالم.
وبينما يخوض بنيامين نتنياهو معركة البقاء السياسي، تبدو إسرائيل كلها أمام أزمة وجودية تتجاوز حدود الانتخابات والحكومات، لتصل إلى أزمة في بنية المشروع الصهيوني نفسه، الذي قام على القوة العسكرية والتوسع والخوف وصناعة العدو الدائم والحروب المتكررة، فكلما طال أمد الحرب واتسعت دائرة الدم والدمار، ازدادت الشروخ داخل المجتمع الإسرائيلي، وتراجعت قدرة إسرائيل على فرض صورتها القديمة كدولة مستقرة وقادرة على حسم الصراعات، لذلك فإن الانتخابات المقبلة قد لا تكون مجرد محطة لتغيير حكومة أو إعادة تشكيل ائتلاف، بل قد تتحول إلى لحظة تكشف بداية الانحدار التاريخي لمشروع يعيش اليوم واحدة من أخطر أزماته السياسية والأخلاقية والوجودية منذ قيامه.
الكيان المأزوم... انتخابات إسرائيل بين الفاشية والتفكك الداخلي
144 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
الكيان المأزوم... انتخابات إسرائيل بين الفاشية والتفكك الداخلي