نبيل محمد سمارة
في الخامس عشر من أيار، لا يستعيد الفلسطينيون ذكرى عابرة من التاريخ، بل يفتحون جرحاً ظل ينزف منذ عام 1948، يوم تحولت القرى إلى رماد، والبيوت إلى حكايات معلقة على مفاتيح صدئة، والإنسان الفلسطيني إلى لاجئ يحمل وطنه في قلبه بعدما سلبت منه الأرض والسماء معاً.
كانت النكبة أكبر من مجرد تهجير جماعي. لقد كانت اقتلاعاً للروح من جذورها. خرج الفلسطيني من بيته وهو يظن أن الغياب لن يطول، وأن الطريق إلى العودة أقصر من دمعة أم بقيت تنظر إلى باب منزلها المفتوح. لكن العقود مرت، وكبر الأبناء في المنافي، وتحولت الخيام إلى أحياء بائسة، بينما ظل الحنين هو الإرث الوحيد الذي لا تستطيع قوة في العالم مصادرته.
في كل عام، يعود الفلسطيني إلى ذاكرته الأولى؛ إلى رائحة البرتقال في حيفا ، وصوت الأذان في القرى، وحقول الزيتون في جبع، وإلى أسماء القرى التي مسحت من الخرائط لكنها بقيت محفورة في الوجدان. فالوطن ليس قطعة أرض فحسب، بل ذاكرة وهوية وكرامة إنسانية.
لكن المؤلم اليوم أن النكبة لم تعد حدثاً ماضياً يستذكر، بل واقعاً يتكرر بأشكال مختلفة. فالفلسطيني الذي ولد في العراق، وعاش عمره كله بين أهله وناسه، يجد نفسه اليوم أمام معاناة جديدة، لا تحمل صوت القصف والطرد، لكنها تحمل قسوة الحرمان والإقصاء الإداري.
لقد أصبح كثير من الفلسطينيين في العراق عاجزين عن إنجاز أبسط معاملاتهم الحياتية بسبب اشتراطات الأنظمة الإلكترونية التي لا تعترف بواقعهم القانوني والإنساني، وفي مقدمتها اشتراط “البطاقة الوطنية الموحدة” في معظم المعاملات الرسمية والإلكترونية. وهكذا يجد الفلسطيني نفسه محروماً من حقوق أساسية تتعلق بالتعليم والعمل والعلاج والسكن وحتى الحركة اليومية، لأنه لا يمتلك وثيقة لا يستطيع الحصول عليها أصلاً ، كل هذا أمام تجاهل واضح من قبل سفارة دولة فلسطين .
إنها صورة أخرى من صور النكبة… حين يتحول الإنسان إلى رقم معلق خارج النظام، وحين يشعر اللاجئ أن أبواب الحياة تغلق بوجهه ليس لأنه ارتكب ذنباً، بل لأنه فلسطيني حمل لعنة اللجوء منذ ولادته.
الفلسطيني في العراق لم يكن يوماً غريباً عن هذه الأرض. لقد عاش عقوداً طويلة مشاركاً العراقيين أفراحهم وأحزانهم، وتقاسم معهم الحروب والحصار والجوع والخوف. لكنه اليوم يواجه عزلة صامتة صنعتها التعقيدات الإدارية والأنظمة الإلكترونية الجامدة التي لا ترى الإنسان خلف الوثيقة.
وإذا كانت النكبة الأولى قد سلبت الفلسطيني وطنه، فإن النكبات المتلاحقة تحاول اليوم أن تسلبه حقه في حياة كريمة. لذلك فإن الواجب الأخلاقي والإنساني يقتضي إعادة النظر في هذه الإجراءات التي تزيد من معاناة شريحة دفعت أثماناً باهظة عبر عقود طويلة.
في ذكرى النكبة، لا يحتاج الفلسطيني إلى خطابات رثاء بقدر حاجته إلى عدالة تحفظ كرامته وحقوقه الإنسانية. فالأوطان العظيمة لا تقاس فقط بحدودها .
ستبقى فلسطين جرحاً مفتوحاً في ضمير الأمة، وسيبقى الفلسطيني متمسكاً بحقه في الحياة والكرامة والعودة، مهما طال الزمن. فالنكبة الحقيقية ليست في ضياع الأرض فقط، بل في أن يعتاد العالم على ألم الفلسطيني وكأنه أمر طبيعي.





شارك برأيك
نكبة تولد نكبة !