في الضفة الغربية لم يكن الوضع قبل السابع من أكتوبر 2023 أفضل بكثير مما هو عليه الآن. نظراً لاستمرار سياسات الاحتلال المعتادة من: اعتقالات، تدمير منازل وممتلكات، قتل، إغلاق الحواجز، واقتحامات متكررة للقرى والمدن الفلسطينية...
فبعد السابع من أكتوبر تحوّلت هذه السياسات إلى طريقة ممنهجة لتكثيف العقاب على الضفة الغربية، بحيث لم تعد القرارات مجرد إجراءات عابرة، بل خطوات مدروسة بعناية لإخراج الفلسطيني تدريجياً من المعادلة السياسية والجغرافية والاقتصادية. مستفيدة من انشغال العالم بالحرب على غزة، ومن حالة الصمت الدولي تجاه ما يجري في الضفة الغربية.
لا تزال الضفة الغربية تشهد تصاعداً غير مسبوق في الإرهاب الاستيطاني، إذ لم يعد يقتصر على اعتداءات فردية أو أعمال عنف متفرقة، بل أخذ طابعاً منظماً وممنهجاً يُمارس كسلوك جماعي تدعمه مؤسسات الاحتلال بصورة غير مباشرة، في مؤشر واضح على انتقال الاستيطان من كونه أداة توسع تدريجي إلى أداة فرض سيادة كاملة على الأرض الفلسطينية.
فمن جنوب الضفة الغربية إلى شمالها مروراً بشرقها وغربها، يواصل المستوطنون اقتحام القرى والاعتداء على السكان والممتلكات، فلم يسلم منهم الحجر ولا البشر، إلى جانب تعمدهم إغلاق الطرق المؤدية إلى المدن الفلسطينية، في محاولة لعزل التجمعات الفلسطينية وتحويلها إلى مناطق مفككة ومعزولة جغرافياً.
لا بد لنا هنا التذكير بأن عدد المستوطنين في الضفة الغربية نهاية عام 2024 كان نحو 770 ألف مستوطن، موزعين على 180 مستوطنة و256 بؤرة استعمارية، بينها 136 بؤرة رعوية وزراعية. لتغطي هذه البؤر وحدها أكثر من 480 ألف دونم من الأراضي، معظمها في مناطق الأغوار والسفوح الشرقية، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المساحات المبنية للمستوطنات القائمة، الأمر الذي يعكس حجم التوسع الاستيطاني المتسارع، والذي لم يعد يهدف فقط إلى السيطرة على الأرض، بل إلى إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية بطريقة تجعل أي تواصل جغرافي فلسطيني مستقبلي أمراً بالغ الصعوبة.
فضمن مشروع الضم الإسرائيلي المتواصل، كُشف في أيار/مايو المنصرم مسودة قانون جديدة تتيح للمستوطنين امتلاك أراضي داخل الضفة الغربية، بما في ذلك المناطق المصنفة (أ)، التي يُفترض أنها خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، ويمثل هذا التحرك تحولاً نوعياً في سياسات الضم التدريجي، إذ أصبحت أدوات القانون تُستخدم لتفكيك ما تبقى من مظاهر السيادة الفلسطينية، حتى وإن كانت شكلية، وهو ما يعكس تآكلاً متسارعاً للحدود السياسية التي فرضتها اتفاقية أوسلو طوال العقود الماضية.
فالرغم من أن الاحتلال يواصل السيطرة على الأراضي الفلسطينية والاستيلاء عليها استناداً إلى قانون أملاك الغائبين وقانون أراضي الدولة، اللذان يسمحان لإسرائيل بالسيطرة على الأراضي بذريعة أنها أراضي “ميري” أو “مشاع”، أو مسجلة باسم الدولة، أو تعود لأشخاص غادروا فلسطين قسراً أو طوعاً، فتُصنف ممتلكاتهم باعتبارها “أملاك غائبين”، ويتولى ما يسمى “حارس أملاك الغائبين” إدارتها لصالح دولة الاحتلال، لتصبح لاحقاً تحت سيطرتها الكاملة.
وفي سلسلة متواصلة من السياسات والممارسات الاحتلالية في الضفة الغربية، بات الفلسطيني يواجه قرارات وقوانين إسرائيلية أكثر تطرفاً، من بينها قانون إعدام الأسرى، إلى جانب ممارسات غير مسبوقة في حجمها وخطورتها، تعكس تصاعد النزعة الانتقامية داخل المؤسسة الإسرائيلية. ومن أبرزها ما شهدته قرية العصاعصة بمحافظة جنين، حين أجبرت قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون عائلة فلسطينية على إخراج جثمان فقيدها من قبره ونقله إلى مكان آخر، في حادثة وقعت مساء الجمعة الموافق 8 مايو/أيار 2026، في مشهد يعكس حجم الانحدار الذي وصلت إليه الممارسات الاحتلالية، والتي باتت تمس حتى حرمة الموتى.
ولأول مرة منذ توقيع اتفاقية أوسلو، أخطرت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأحد، بالاستيلاء على نحو سبعة دونمات من أراضي المواطنين في حي الجابريات بمدينة جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تُعد الأولى من نوعها للاستيلاء على مناطق مصنفة (أ)، وهو ما يحمل دلالات سياسية خطيرة تتجاوز مساحة الأرض نفسها، إذ يعكس عملياً بدء انهيار الخطوط التي رسمتها اتفاقية أوسلو، وعدم اعتراف إسرائيل حتى بالمناطق التي يفترض أنها خاضعة للسيطرة الفلسطينية الكاملة. إذ سلمت قوات الاحتلال إخطاراً رسمياً بوضع اليد على هذه الأراضي الواقعة ضمن المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية الكاملة “المنطقة أ”، وذلك بذريعة استخدامها لأغراض استيطانية وعسكرية.
وفي موازاة ذلك، تستعد اللجنة الوزارية لشؤون التشريع في إسرائيل لبحث مشروع قانون جديد يقضي بإلغاء اتفاقيات أوسلو واتفاقي الخليل وواي ريفر، وفقاً لمبادرة تقدمت بها عضو الكنيست ليمور سون هار ميلخ من حزب “عوتسما يهوديت”، إلى جانب عدد من أعضاء الحزب. وبحسب نص الاقتراح، فإن الاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية ستُلغى بشكل كامل، بما يشمل إنهاء جميع الالتزامات القانونية والسياسية المترتبة عليها، إضافة إلى إلغاء التشريعات الإسرائيلية المرتبطة بتنفيذ تلك الاتفاقيات.
فأن انهيار هذه الاتفاقيات سيدفع نحو تكريس واقع الابارتايد بصورة أكثر وضوحاً وصراحة، ويكشف حقيقة النظام القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة أمام المجتمع الدولي.
وفي الواقع، فإن مشروع قانون إلغاء الاتفاقيات مع السلطة الفلسطينية، ليس أمراً جديداً، بل يأتي ضمن سياسة تنتهجها حكومة بنيامين نتنياهو وتحالف اليمين المتطرف، الذين أعلنوا منذ تشكيل الحكومة أن اتفاقيات أوسلو تمثل “عاراً” بالنسبة لهم، وأنه يجب تقويض السلطة الفلسطينية وإنهاء وجودها السياسي، باعتبارها – من وجهة نظرهم – عائقاً أمام مشروع السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية.
ما يجري اليوم يعكس سياسة إسرائيلية مستمرة منذ سنوات، تصاعدت بشكل أكبر خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، حيث تكررت الدعوات إلى حل السلطة الفلسطينية، وإنهاء عمل الأجهزة الأمنية، وإلغاء اتفاقيات أوسلو تحت ذرائع مختلفة.
وتُعرف أوسلو رسمياً باسم “إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي”، وقد وُقعت بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في واشنطن بتاريخ 13 سبتمبر/أيلول 1993، بحضور الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، وبرعاية الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة تُعد الأخطر منذ توقيع اتفاق أوسلو، ليس فقط بسبب التصعيد العسكري والاستيطاني، بل لأن إسرائيل باتت تتحرك وفق رؤية تسعى إلى إعادة تعريف الوجود الفلسطيني نفسه، وتحويله من قضية سياسية مرتبطة بحق تقرير المصير إلى واقع سكاني مفكك ومحاصر، بلا أرض متصلة أو سيادة أو أفق سياسي واضح، في محاولة لفرض واقع جديد تصبح فيه السيطرة الإسرائيلية أمراً دائماً، فيما يتحول الفلسطيني إلى مجرد تجمعات معزولة داخل جغرافيا تتحكم بها القوة والوقائع المفروضة على الأرض.
ماذا يجري في الضفة الغربية؟ (بين سياسة الاحلال وهندسة الإلغاء) ...
سياسة
584 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
ماذا يجري في الضفة الغربية؟ (بين سياسة الاحلال وهندسة الإلغاء) ...