هل يُعاد إنتاج الحرب الأهلية في لبنان تحت ضغط الإقليم؟

من غزة إلى البحر الأحمر، ومن طهران إلى باكستان، إلى الخليج تتكاثر خطوط التوتر في الشرق الأوسط على نحو غير مسبوق منذ عقود، فالانفجارات السياسية والعسكرية باتت متنقلة ومتداخلة في الصراع، ليتحوّل الفاعلين المحليين إلى أدوات ضمن صراعات أوسع. وهذا يشير إلى أن المنطقة تقترب من نقطة تحوّل جيوسياسية ستغير شكل المنطقة برمتها.
الخطورة في هذا المشهد، أنه لا يهدّد دولة بعينها، بل يفتح الباب أمام مرحلةٍ يُعاد فيها تعريف كل شيء: السيادة، القانون، وحتى معنى العدالة. حين يسقط الردع السياسي، تصبح القوة وحدها هي اللغة، وتتحوّل الحدود إلى خطوطٍ قابلة للمحو.
فالتطورات الأخيرة في المنطقة تشير أنها دخلت مرحلة جديدة من الترابط الأمني، وهي مرحلة لا يصلح فيها تحليل الأزمات ضمن أطر وطنية ضيقة، فالتصعيد المباشر الذي يضمّ إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب الإعلان عن هدنة لمدة أسبوعين بالتزامن مع الضربات الواسعة على بيروت، جميعها تشير إلى تغيّر في قواعد الاشتباك.
لا يبدو المشهد الآن واضح الاتجاه بشكل جازم، بل يمكن قراءته ضمن مساحة رمادية تتأرجح بين إدارة الصراع والتصعيد المحسوب. فالتجارب السابقة تشير إلى أن فشل التفاهم السياسي لا يعني بالضرورة الانجرار المباشر إلى حرب، بل غالباً ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً من الضغط المتبادل من خلال استخدام كل طرف أوراق ضغط على حساب الطرف الثاني).

في هذا الإطار، يكتسب إعلان وقف إطلاق النار في لبنان والصادر عن اجتماعات واشنطن بين الحكومتين اللبنانية والاسرائيلية، المؤجل دخوله حيّز التنفيذ، أهمية خاصة تتجاوز شكله الظاهري. فالفجوة الزمنية بين الإعلان والتطبيق تثير تساؤلات عميقة: هل هي مجرد ترتيبات تقنية؟ أم نافذة زمنية لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل تثبيت التهدئة؟
ففي تجارب سابقة، غالباً ما استُخدمت هذه الفترات لإعادة التموضع، أو لتحقيق مكاسب سريعة على الأرض، ما يجعل من “الهدنة المؤجلة” جزءاً من إدارة الصراع، لا إنهائه.
لكن قراءة المشهد اللبناني لا تكتمل دون التوقف عند الداخل الإسرائيلي، حيث تتصاعد الانتقادات ضد بنيامين نتنياهو، في ظل اتهامات متزايدة له بإدارة الملفات الأمنية وفق اعتبارات سياسية داخلية. فالتاريخ السياسي لإسرائيل يُظهر أن لحظات الضغط الشعبي غالباً ما تُقابل بخيارات تصعيدية، تُستخدم كوسيلة لإعادة توحيد الجبهة الداخلية أو صرف الأنظار عن الأزمات. من هنا، فإن إعلان وقف إطلاق النار لا يمكن اعتباره مؤشراً نهائياً على التهدئة، بل قد يكون محطة ضمن مسار أكثر تعقيداً من التصعيد المحسوب.
في المقابل، تسعى إسرائيل إلى تحقيق هدف يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، ويتمثل في إعادة تشكيل التوازنات داخل لبنان، وعلى رأسها إضعاف حزب الله ونزع سلاحه. غير أن هذا الهدف يصطدم بواقع لبناني بالغ التعقيد، حيث لا يمكن فصل أي مكوّن سياسي أو عسكري عن بنيته الاجتماعية والبيئية. وهذا ما يجعل أي محاولة للضغط الخارجي مرشحة للارتداد إلى الداخل، لا إلى الحسم.
ولو توقفنا قليلاً هنا سنرى احتمالية قيام إسرائيل بالضغط على الحكومة اللبنانية من أجل التصرف مع حزب الله واعلانه منظمة إرهابية خاضعة لقانون اللبناني وهذا يعني اغلاق مقار الحزب وملاحقة أصوله المالية عملاً بقوانين مكافحة أموال الارهاب ومصادرة السلاح، واعتقال العناصر لمجرد الانتماء للحزب، وهنا إسرائيل تدرك جيداً أن الحكومة اللبنانية لا تستطيع القيام بأغلب هذه الإجراءات، وبالتالي الخطة الإسرائيلية ستكون خلق فوضى عارمة داخل لبنان من خلال: أولاً: نزع الشرعية الداخلية عن الحزب، ثانياً: الصدام المباشر بين الحزب والجيش اللبناني وانصار تيار التطبيع مع اسرائيل والذي ربما سيتحول إلى كيان مسلح، وقد يكون في ظل هذه الفوضى تشكل وينتظر الاعلان عن نفسه، فالحزب لن يسلم بهذا وسيخرج انصاره للشوارع وسيجمع حوله الحلفاء من الداخل اللبناني والفلسطيني وبالتالي على الأغلب سيتجه الحزب لمحاولة فرض نفسه في الشارع وربما السيطرة على مقار الحكومة كخطوة احتجاجية فضلاً عن أنه سيدخل حلفائه اللبنانيين والفلسطينيين في المعارك الدائرة في الجنوب لاكتساب شرعية للعمل العسكري.
وهنا تحديداً تكمن الخطورة. فلبنان لا يحتاج إلى حرب تقليدية كي ينفجر، بل يكفيه تراكم الضغوط ليدخل في مرحلة صدام داخلي تدريجي. المؤشرات على ذلك لم تعد خفية: استقطاب سياسي حاد، خطاب متوتر، تآكل الثقة بالمؤسسات، وأزمة اقتصادية خانقة تُضعف قدرة الدولة على ضبط الشارع. إلى جانب ذلك، يبقى السلاح المنتشر خارج إطار الدولة عاملاً حاسماً في أي معادلة تصعيد.
إن أي محاولة لنزع شرعية طرف داخلي بالقوة، أو دفع الدولة لاتخاذ خطوات لا تملك القدرة الفعلية على تنفيذها، قد تفتح الباب أمام مواجهة داخلية غير محسوبة. فالتوازنات اللبنانية قائمة على هشاشة دقيقة، وأي خلل فيها قد يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل المتتالية، التي يصعب احتواؤها بمجرد قرارات سياسي ومن الممكن أن تؤدي بنهاية المطاف إلى حرب أهلية لبنانية.
والسيناريو الأخطر لا يتمثل في إعلان حرب أهلية شاملة، بل في الانزلاق إليها تدريجياً. إذ تبدأ باحتكاكات محدودة، ثم تتوسع إلى اشتباكات موضعية، قبل أن تتحول إلى واقع أمني مفكك تتعدد فيه مراكز القوة. في مثل هذه الحالات، لا يكون هناك “قرار بالحرب”، بل واقع يفرض نفسه على الجميع، ليتحول المشهد إلى ما حصل عام 1983 بكل تفاصيله مجددا، اجتياح اسرائيلي واسع، قوى مسلحة شبه نظامية تقاتل الجيش الاسرائيلي في الجنوب، وحرب اهلية بتمويل اقليمي داخل لبنان، وهنا يكمن الكثير مما يقال ولا يمكن قوله.
في النهاية، لا يبدو أن السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت الحرب الأهلية ستندلع في لبنان، بل ما إذا كانت الشروط التي تؤدي إليها قد اكتملت بالفعل. فحين تتراكم الأزمات، وتغيب الحلول، وتُترك الساحات مفتوحة أمام الصراعات، يصبح الانفجار مسألة وقت… لا أكثر.

سياسة
714 مشاهدة
1 تعليق
سالي ابو عياش

بقلم

سالي ابو عياش

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

هل يُعاد إنتاج الحرب الأهلية في لبنان تحت ضغط الإقليم؟