حرب بلا حدود: هل تدار المعركة بالاقتصاد والاختراق؟

من الواضح أن الحروب والمعارك اليوم لا تدار فقط بالجيوش...والعتاد الحربي والعسكري... والتحالفات السياسية... الجبهات القتالية الخ، بل باتت تدار بمدى قدرتها على الوصول والتأثير إلى كل شيء دون أن تُرى. ويتجلى ذلك في الحرب القائمة في المنطقة اليوم إذ لم تعد المواجهة تقتصر على تبادل الضربات العسكرية أو التهديدات المباشرة، بل أخذت تتحول تدريجياً إلى صراع مفتوح تُستخدم فيه أدوات أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً. فالتوتر المتصاعد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد يُدار فقط عبر القواعد العسكرية أو الجبهات التقليدية، بل امتد ليشمل الاقتصاد العالمي، والممرات البحرية، وشبكات الطاقة، وحتى الفضاء السيبراني الذي أصبح ساحة مواجهة لا تقل خطورة عن ساحات القتال.
وما تحمله هذه الحرب في طياتها مختلف عما حملته الجولات السابقة فالتفاصيل اليومية لهذه الجولة تشير إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع، مرحلة لم تعد فيها الحرب مرتبطة بحدود الجغرافيا، بل بقدرة كل طرف على إضعاف الآخر دون أن يذهب إلى مواجهة شاملة. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن المعركة بين واشنطن وطهران وتل أبيب لم تعد تُدار بالصواريخ وحدها، بل بالأموال، والتكنولوجيا، والاختراق، والسيطرة على مفاصل الاقتصاد العالمي.
إن أولى الإشارات على أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لم تعد حرباً تقليدية، ظهرت في تأثيرها المباشر على التجارة العالمية، خصوصاً مع تصاعد التهديدات بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم. فمجرد الحديث عن احتمال تعطّل الملاحة في هذا الممر الحيوي كان كافياً لإرباك الأسواق ورفع أسعار الطاقة وإدخال الاقتصاد العالمي في حالة ترقب وقلق، في مشهد يؤكد أن المعركة لم تعد تُخاض فقط في الميدان، بل في الموانئ، وأسواق النفط، وخطوط الشحن التي تربط العالم ببعضه.
ولم يقتصر تأثير التوتر على حركة التجارة، بل امتد إلى أسواق المال التي أصبحت تتفاعل مع كل تصريح سياسي وكأنه حدث عسكري. فمحاولات التهدئة التي يطلقها دونالد ترامب بين الحين والآخر، والتي تتحدث عن قرب انتهاء الحرب أو إمكانية السيطرة على التصعيد، تبدو أقرب إلى محاولة لطمأنة الأسواق وكسب مزيد من الوقت، أكثر من كونها تعبيراً عن نهاية حقيقية للصراع. وقد شهدت أسعار النفط تراجعاً مؤقتاً بعد هذه التصريحات لتقترب من حدود التسعين دولاراً، إلا أن هذا الانخفاض يعكس حالة من التردد لا من الاستقرار، إذ أن الأسواق تفقد ثقتها سريعاً عندما لا تتطابق التصريحات مع الوقائع، وهو ما يجعل أي هدوء في الأسعار أشبه بحقنة مسكن سريعة المفعول، تخفف التوتر في لحظته لكنها لا تعالج أسبابه.
ولعل ما يعزز هذا الانطباع أن الأسعار سرعان ما عادت إلى الارتفاع مع أول تصعيد جديد، لتتجاوز حاجز المئة دولار، في إشارة إلى أن السوق لم يعد يتفاعل مع التصريحات بقدر ما يتفاعل مع مسار الصراع نفسه. وفي هذا السياق، تبدو محاولات الحديث عن قرب انتهاء الحرب أو إمكانية احتوائها جزءاً من إدارة المعركة اقتصادياً، حيث يصبح التصريح السياسي أداة للتأثير في الأسواق بقدر ما هو رسالة موجهة إلى الخصوم. فشراء الوقت، ورفع مستوى الضغط على إيران، ومحاولة منع انفلات أسعار الطاقة، كلها عناصر تشير إلى أن المواجهة لا تُدار فقط في الميدان، بل في البورصات، وشركات النفط، ومراكز القرار المالي.
أما الحديث عن إمكانية تخفيف القيود على النفط الروسي أو تعديل سياسات العقوبات، فإنه يكشف حجم التناقض الذي يعيشه المعسكر الغربي نفسه، إذ أن أي تغيير في هذا الاتجاه قد يهدد تماسك حلف الناتو ويضعف وحدة الموقف التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة. ولهذا تبدو المرحلة الحالية مرحلة اختبار حقيقي، ليس فقط لقدرة الأطراف على الصمود عسكرياً، بل لقدرة النظام الاقتصادي الدولي نفسه على تحمّل حرب تُدار بلا حدود، وبأدوات تتجاوز السلاح إلى المال والطاقة والمعلومات.
غير أن تأثير هذه الحرب لم يتوقف عند حدود النفط والتجارة، بل امتد ليطال أسواق العملات والاستقرار المالي في عدد كبير من الدول، حيث أن أي تصعيد عسكري في منطقة الخليج ينعكس مباشرة على قيمة العملات، ومستوى التضخم، وحركة الاستثمارات. فحالة القلق التي تسيطر على الأسواق تدفع رؤوس الأموال إلى الهروب نحو الملاذات الآمنة، فيما تتعرض عملات الدول الأضعف لضغوط حادة، الأمر الذي يخلق حالة من الاضطراب المالي قد تكون أخطر من الضربات العسكرية نفسها. وفي ظل مواجهة مفتوحة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يصبح الاقتصاد العالمي بأكمله جزءاً من ساحة المعركة، حتى في الدول التي لا تشارك فيها بشكل مباشر.
كما أن اتساع دائرة التوتر أدى إلى شل جزئي في حركة الطيران والملاحة الجوية في عدد من مناطق الشرق الأوسط، نتيجة المخاوف من استهداف القواعد العسكرية أو المطارات أو الممرات الجوية، وهو ما انعكس على شركات الطيران والتجارة والسياحة وسلاسل التوريد العالمية. فإغلاق الأجواء أو تغيير مسارات الطائرات يعني ارتفاعاً في كلفة النقل والتأمين، وتأخيراً في حركة البضائع، وتراجعاً في النشاط الاقتصادي، وهو ما يثبت مرة أخرى أن الحرب الحديثة لا تحتاج إلى احتلال دولة حتى تُضعف اقتصادها، بل يكفي أن تدخل في دائرة الخطر حتى تبدأ الخسائر بالتراكم.
ولا يختلف تأثير الضربات العسكرية المباشرة على الدول عن تأثيرها على الأسواق، فاستهداف القواعد أو الموانئ أو منشآت الطاقة في أي دولة من دول المنطقة يترك أثراً يتجاوز حدودها الجغرافية، لأن اقتصاد الشرق الأوسط مرتبط بشكل وثيق بالطاقة والتجارة العالمية. فكل صاروخ يسقط قرب منشأة نفطية، وكل تهديد يطال ممراً بحرياً، ينعكس فوراً على الأسعار، وعلى حسابات الشركات، وعلى قرارات المستثمرين، في مشهد يؤكد أن المواجهة الدائرة اليوم لا تُقاس بحجم الدمار العسكري فقط، بل بحجم الارتباك الذي تخلقه في النظام الاقتصادي الدولي.
ومع انتقال الصراع إلى هذا المستوى، لم تعد الأدوات العسكرية وحدها كافية لإدارة المعركة، بل دخل الفضاء السيبراني بقوة ليصبح ساحة مواجهة موازية لا تقل خطورة عن الجبهات التقليدية. فالاختراقات الإلكترونية التي تستهدف البنوك، وشبكات الكهرباء، وأنظمة الاتصالات، والمطارات، يمكن أن تشل دولة كاملة دون إطلاق رصاصة واحدة، وهو ما جعل الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تأخذ بعداً جديداً، يعتمد على القدرة على تعطيل الخصم من الداخل بدلاً من مواجهته في الميدان.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الهجمات السيبرانية المتبادلة بين هذه الأطراف، حيث أصبح الاختراق وسيلة للضغط السياسي والاقتصادي في آن واحد، فتعطيل نظام مالي، أو إرباك شبكة طاقة، أو تسريب معلومات حساسة، قد يحقق من النتائج ما لا تحققه الضربات العسكرية المباشرة. وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحرب وكأنها تُدار في الظل بقدر ما تُدار في العلن، وتُحسم أحياناً في غرف التحكم وأجهزة الحاسوب بقدر ما تُحسم في ساحات القتال.
وهكذا، تكشف المواجهة الجارية في المنطقة أن العالم دخل مرحلة جديدة من الصراع، مرحلة لم تعد فيها الحروب محدودة بالجغرافيا ولا بالقوة العسكرية، بل أصبحت تمتد إلى الاقتصاد، والعملات، والطاقة، والفضاء السيبراني، في صورة حرب مفتوحة بلا حدود واضحة ولا جبهات ثابتة. وبينما تتجنب الأطراف الكبرى الانزلاق إلى مواجهة شاملة، فإنها في المقابل تدير معركة طويلة بأدوات أكثر تعقيداً، تجعل تأثيرها يصل إلى كل بيت في العالم، حتى وإن لم يسمع صوت الرصاص.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى:
هل ما نشهده اليوم مجرد تصعيد عسكري عابر، أم أننا أمام شكل جديد من الحروب، تُدار فيه المعارك بالاقتصاد والاختراق بقدر ما تُدار بالسلاح؟

سياسة
921 مشاهدة
0 تعليق
سالي ابو عياش

بقلم

سالي ابو عياش

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

حرب بلا حدود: هل تدار المعركة بالاقتصاد والاختراق؟