هل نحن أمام شرق أوسط جديد

منذ وقوع السابع من أكتوبر 2023، ومع عملية “طوفان الأقصى” بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، لم يكن ما جرى مجرد حدث عسكري في غزة فحسب، بل شكّل لحظة كسرٍ تاريخية أعادت تحريك طبقاتٍ عميقة في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط. الحرب التي اندلعت في القطاع لم تبقَ محصورة خلف حدوده الضيقة، بل تمددت كدوائر نارٍ متسعة؛ من غزة إلى الضفة الغربية، مروراً بجنوب لبنان واليمن وسوريا.
في ضوء التوترات السياسية في المنطقة والتي أصبحت مستمرة ومتواصلة، وفيما تقرع طبول الحرب يوميا، لتصل الأمور إلى مواجهة مباشرة وغير مسبوقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. دخلت المنطقة اليوم تصعيداً لا يعد عابرا، بل تقف على عتبة إعادة تشكيل كاملة، كأن الخرائط التي وُضعت قبل قرن تُعاد مراجعتها تحت ضغط النار.
المواجهة القائمة لا يمكن قراءتها بوصفها جولة عسكرية تقليدية تُحسم بضربة جوية أو بردٍّ صاروخي، بل نحن أمام صراع مشاريع تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع رهانات سياسية كبرى، ويتداخل فيه ملف الأمن النووي مع صراع النفوذ العالمي. تنظر واشنطن وتل أبيب إلى البرنامج النووي الإيراني بوصفه تهديداً استراتيجياً يمسّ جوهر معادلة التفوق الإسرائيلي في الإقليم، لا لكونه سلاحاً محتملاً فحسب، بل لأنه يهدد احتكار الردع.
في المقابل، ترى طهران أن أي تراجع تحت الضغط يعني تقويض شبكة نفوذ بنتها بصبرٍ طويل عبر ساحات متعددة من لبنان إلى العراق واليمن وسوريا، وأن خسارة ورقة الردع النووي أو شبه النووي تعني فقدان موقعها كلاعب إقليمي يصعب تجاوزه.
وسط هذا الاشتباك، تقف دول الجوار — الأردن، العراق، لبنان، فلسطين، اليمن، ودول الخليج — لا كمراقبين، بل كساحات محتملة وبيئات ضغط وأوراق تفاوض، ويتجلى ذلك في الضربات المتبادلة واستهداف المصالح في بعض هذه الساحات. فلم تعد المسألة تتعلق بمن يملك ترسانة أكبر، بل بمن يملك أعصاباً أبرد وقدرة أعلى على إدارة التصعيد دون الانزلاق إلى هاوية لا يمكن ضبطها. فالمنطقة بأسرها تحت مجهر إسرائيلي–أمريكي يسعى إلى إعادة هندسة التوازنات، وفي المقابل تخضع لحسابات إيرانية دقيقة تحاول تثبيت معادلة ردع دون التورط في حرب شاملة قد تستنزفها داخلياً وخارجيا.
في هذا السياق، تبدو الاحتمالات متداخلة أكثر مما هي منفصلة. أحدها يتمثل في العودة إلى مسار تفاوضي يُنتج اتفاقاً نووياً محدوداً يجمّد أو يخفض مستويات التخصيب، ويعيد فرض قيود فنية على البرنامج الإيراني مقابل تخفيف مدروس للعقوبات. هذا السيناريو يمنح واشنطن مخرجاً سياسياً يجنبها حرباً جديدة في منطقة مثقلة بالحرائق، ويوفر إنجازاً دبلوماسياً قابلاً للتسويق داخليا. غير أن هشاشته تكمن في الرفض الإسرائيلي لأي صيغة لا تنهي البرنامج جذريا، وفي مخاوف إقليمية من أن يؤدي تخفيف العقوبات إلى تعزيز النفوذ الإيراني بدل احتوائه، فضلاً عن أن تجربة الاتفاق النووي السابق أثبتت أن مصير مثل هذه التفاهمات قد يتبدل بتغير الإدارات في البيت الأبيض، ما يجعل أي اتفاق أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى تسوية مستقرة.
أما الاحتمال الآخر فيقوم على توجيه ضربة عسكرية محدودة إذا ما تعثر التفاوض واستمرت طهران في تطوير برنامجها بوتيرة تُعدّ تجاوزاً للخطوط الحمراء الأمريكية والإسرائيلية. يقوم هذا الخيار على منطق “الردع المحسوب”، أي استخدام القوة بشكل مدروس لإبطاء التقدم الإيراني ودفعه إلى العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع أضعف، دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة. غير أن تجارب الشرق الأوسط تشير إلى أن الضربات المحدودة نادراً ما تبقى ضمن حدودها النظرية؛ فاليوم يأتي الرد عبر استهداف مصالح أمريكية في العراق أو سوريا أو الأردن وبعض دول الخليج، أو عبر تصعيد على الجبهة اللبنانية من خلال الدخول البري للجيش الإسرائيلي للجنوب، أو بتهديد الملاحة في الخليج والبحر الأحمر كما يحدث في مضيق هرمز، ما يحوّل الإجراء التكتيكي إلى سلسلة ردود متبادلة تتسع تدريجياً خارج السيطرة.
وفي ضوء هذه الأحداث، يبقى الاحتمال الأخطر هو انفجار إقليمي شامل في حال تداخلت الضربات المحدودة مع رد إيراني واسع وغير محسوب، أو إذا قررت طهران استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية بصورة مباشرة. عندها قد يمتد التصعيد إلى الإقليم بأسره، وتتأثر أسواق الطاقة العالمية، ويزداد خطر انخراط قوى دولية بشكل مباشر، فتتحول الأزمة من مواجهة قابلة للاحتواء إلى حرب إقليمية مفتوحة بكلفة سياسية واقتصادية وأمنية هائلة. وفي بيئة إقليمية هشّة ومثقلة بالصراعات، قد لا يحتاج الانفجار إلى قرار استراتيجي كبير بقدر ما يحتاج إلى خطأ صغير في الحسابات، أو سوء تقدير للرسائل المتبادلة، أو ثقة مفرطة بقدرة الردع على ضبط النار.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد اشتباك بين ثلاث دول، بل اختبار لمستقبل النظام الإقليمي برمته. فإما أن تتجه المنطقة نحو تثبيت توازن ردع بارد يعيد ترتيب العلاقات دون تفكيك شامل، أو نحو مسار طويل من الحروب المتقطعة يعيد إنتاج مشاريع التقسيم والتفتيت على أسس مذهبية وعرقية، ويحوّل الكيانات القائمة إلى دول هشّة تُدار ضمن تحالفات أمنية واقتصادية تُبقيها تحت الهيمنة، أو قد نرى أنفسنا أمام الشرق الأوسط الجديد الذي يسعى له الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة.
بين هذين المسارين، يقف الشرق الأوسط عند مفترق طرق تاريخي لا تحسمه القوة وحدها، بل الحسابات الدقيقة، وضبط الأعصاب، والقدرة على التراجع خطوة قبل السقوط في الهاوية. السؤال لم يعد من سينتصر في مواجهة بعينها، بل أي شرق أوسط سيولد من رحم هذه الحرب: شرق أوسط تتوازن فيه القوى بردع متبادل يمنع الانفجار، أم شرق أوسط جديد تُعاد صياغته بالنار، وتُرسم حدوده وفق خرائط القوة لا خرائط الشعوب.

سياسة
1052 مشاهدة
0 تعليق
سالي ابو عياش

بقلم

سالي ابو عياش

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

هل نحن أمام شرق أوسط جديد