تعيش الضفة الغربية منذ أسابيع على وقع تصعيد ميداني متواصل بات يهدد بتحويل مناطقها إلى ساحة انفجار شامل. فخلال الأسبوع الماضي وحده، واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ عمليات مكثفة في جنين والخليل وجنوب بيت لحم، تحت ذريعة “ملاحقة مطلوبين” أو “تفكيك خلايا مسلحة”. غير أن النتيجة على الأرض كانت أكثر قسوة: اشتباكات مسلحة في مناطق مكتظة، إصابات بين المدنيين، وقلق متزايد من أن تخرج الأمور عن السيطرة في أي لحظة.
التقارير الميدانية القادمة من جنين تحديدًا تعكس ملامح مرحلة جديدة من التصعيد. فالمدينة التي كانت منذ أشهر مركزًا للمواجهات المسلحة، باتت تشهد عمليات اقتحام شبه يومية، تتخللها اشتباكات بين مجموعات مسلحة محلية وقوات الاحتلال. ما يفاقم الخطورة هو أن هذه المواجهات تجري داخل أحياء سكنية مكتظة، حيث يعيش المدنيون في حالة من الرعب الدائم. الأطفال لا يذهبون إلى المدارس في الصباح إلا على أصوات الرصاص، والبيوت تُداهم ليلاً دون تمييز بين المطلوب وغير المطلوب.
وفي الخليل وجنوب بيت لحم، تبدو الصورة مشابهة وإن بدرجات مختلفة. فحواجز التفتيش والإغلاقات باتت تعيق الحركة اليومية للسكان، بينما تتكرر حوادث إطلاق النار في محيط البلدات والمخيمات. هذا الواقع الأمني المرهق جعل كثيرين يشعرون أن الضفة الغربية تنزلق تدريجيًا نحو نمط من “العيش تحت الطوارئ”، حيث لا أمان في الشوارع ولا استقرار في البيوت.
أحد أخطر ملامح هذا التصعيد هو أن المدنيين – خصوصًا الأطفال والشباب – أصبحوا الخاسر الأكبر. فبحسب إفادات محلية، أُصيب عدد من الفتية خلال تبادل إطلاق النار في جنين ومخيم الفوار بالخليل، من دون أن تكون لهم أي علاقة مباشرة بالمواجهات. هذه الحوادث، التي تتكرر بوتيرة مقلقة، تكشف هشاشة الوضع الإنساني في مناطق تداخل فيها المسلح بالمدني، والميدان بالحي السكني.
ويخشى الأهالي من أن يؤدي هذا النمط من العمليات إلى نتائج عكسية. فبدلاً من “إضعاف” الجماعات المسلحة كما تقول الرواية الإسرائيلية، فإن تزايد عدد الضحايا الأبرياء قد يوسع دائرة الغضب الشعبي، ويزيد من قابلية الشباب للانضمام إلى تلك الجماعات بدافع الانتقام. بهذا المعنى، فإن الاستخدام المفرط للقوة في بيئة مأزومة اجتماعيًا واقتصاديًا، يشبه صبّ الزيت على النار.
يأتي هذا التصعيد في لحظة فراغ سياسي عميق. فالمفاوضات مجمّدة، والسلطة الفلسطينية تبدو أضعف من أي وقت مضى في قدرتها على ضبط الأوضاع أو حماية المدنيين. كثير من سكان المخيمات والبلدات باتوا يشعرون بأنهم تُركوا لمصيرهم، في معادلة لا توفر لهم الأمن ولا الكرامة. وفي المقابل، تمضي إسرائيل في سياستها الأمنية من دون أي حساب سياسي حقيقي، وكأن الضفة مجرد ملف أمني قابل للإدارة لا للقضية.
هذا الغياب للأفق السياسي يخلق بيئة خصبة للفوضى. فكلما ضعفت السلطة الشرعية، زادت مساحة الفاعلين المسلحين المحليين الذين يتحركون خارج إطار أي تنظيم مركزي. النتيجة: مناطق خارجة عن السيطرة، تزداد فيها احتمالات الخطأ الميداني والاصطدام العشوائي، ما يهدد بانفجار شامل يصعب احتواؤه لاحقًا.
الخطورة اليوم لا تكمن فقط في عدد الضحايا أو وتيرة الاقتحامات، بل في الاتجاه العام للأحداث. الضفة الغربية تنزلق إلى نمط “العنف الدائري”؛ أي عنف يولّد عنفًا مضادًا بلا نهاية واضحة. فكل عملية اقتحام تولد رد فعل، وكل إصابة في صفوف المدنيين تخلق حقدًا جديدًا، فيما يغيب الحل السياسي القادر على كسر هذه الدائرة.
المطلوب – كما يرى مراقبون مستقلون – هو تدخل عاجل من الأطراف الدولية والعربية لإعادة طرح مقاربة أمنية وسياسية متوازنة، تبدأ بوقف العمليات العسكرية العشوائية، وتُعيد الاعتبار للمسار السياسي الذي تلاشى منذ سنوات. فلا يمكن لأي استقرار أن يتحقق في ظل استمرار الاحتلال وغياب العدالة، ولا لأي تهدئة أن تصمد ما لم تُصان حياة المدنيين وكرامتهم.
ختامًا ما يجري اليوم في الضفة ليس مجرد جولة أمنية جديدة، بل مؤشر على تآكل منظومة الاستقرار بأكملها. فحين يتحول الخوف إلى روتين يومي، وتصبح المدارس والمستشفيات مناطق اشتباك محتملة، لا تعود القضية مسألة أمنية فحسب، بل أزمة مجتمع بأكمله.
إن استمرار هذا النهج، دون رؤية سياسية واضحة، لن يؤدي إلا إلى تعميق الجراح، وربما إلى انفجار أوسع تتجاوز تداعياته حدود الضفة نفسها.
لقد آن الأوان لأن تُعامل حياة الناس بوصفها “خطًا أحمر”، لا مجرد تفصيل في معادلات الأمن والسياسة.
الضفة الغربية على صفيح ساخن
806 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
الضفة الغربية على صفيح ساخن