لا يزال آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة ينتظرون معجزة تمنح ذويهم المفقودين تحت الأنقاض قبوراً معلومة، حيث استأنفت طواقم الدفاع المدني عمليات البحث عن الجثامين في حي الصبرة بمدينة غزة. وتأتي هذه الجهود بدعم محدود من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في ظل واقع ميداني مأساوي خلفته حرب الإبادة الجماعية التي دمرت مساحات شاسعة من القطاع.
وتشير التقديرات الرسمية إلى وجود قرابة 8500 جثمان ورفات لا تزال مدفونة تحت ركام المنازل التي استهدفها جيش الاحتلال الإسرائيلي. وتعمل الفرق الميدانية حالياً بإمكانات شبه معدومة، حيث لا يتوفر سوى حفار واحد فقط للقيام بمهمة تفوق القدرات البشرية والآلية المتاحة، مما يهدد بإطالة أمد هذه العملية لسنوات طويلة.
وكانت عمليات الانتشال قد شهدت توقفاً قسرياً لمرات عدة خلال الأشهر الماضية، نتيجة النقص الحاد في الوقود وتهالك المعدات الثقيلة ومنع دخول قطع الغيار. ويعد الإعلان الأخير للدفاع المدني عن استئناف العمل هو الأول من نوعه منذ توقف العمليات في منتصف مايو الماضي، حيث تركزت الجهود الحالية على انتشال مفقودي عائلة غبون.
وأفادت مصادر في الدفاع المدني بأن الحرب التي توقفت بموجب اتفاق في أكتوبر 2025، خلفت دماراً أصاب نحو 90% من البنى التحتية المدنية. هذا الدمار الهائل حال دون وصول فرق الإنقاذ إلى آلاف الضحايا، مما جعل من انتشال الرفات مهمة معقدة تتطلب آليات متخصصة غير متوفرة حالياً في القطاع المحاصر.
من جانبه، أكد المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل أن عمليات الانتشال تسير ببطء شديد للغاية، محذراً من تداعيات نقص المعدات الثقيلة على هذا الملف الإنساني. وأوضح بصل أن العوائق الميدانية والأخطار المحدقة بالطواقم تزيد من صعوبة العمل، خاصة في ظل تراكم ملايين الأطنان من الركام فوق جثث الشهداء.
ووجه بصل نداءً إنسانياً عاجلاً إلى المجتمع الدولي والجهات المعنية لضرورة التدخل وتوفير الحفارات والآلات اللازمة لإنهاء معاناة العائلات المكلومة. وأشار إلى أنه في حال توفرت المعدات المطلوبة، فإن الطواقم قادرة على إنجاز ملف المفقودين خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، بدلاً من التقديرات الحالية التي تتحدث عن سنوات.
وعلى الرغم من سريان اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لا تزال تماطل في السماح بإدخال المعدات والآلات الثقيلة المنصوص عليها في الاتفاق. وتؤكد جهات حكومية في غزة أن هذا المنع المتعمد يهدف إلى مضاعفة معاناة الفلسطينيين ومنعهم من إكرام شهدائهم بدفنهم في مقابر رسمية.
استمرار العمل بهذه الطريقة البطيئة سيستغرق سنوات طويلة، فنحن نعمل بحفار واحد يمكن أن يتعطل في أي وقت.
وفي مشهد يختصر المأساة، يقف الطفل محمد رياض غبون ذو الاثني عشر عاماً فوق ركام منزله، مترقباً أي إشارة تدل على رفات أفراد أسرته. محمد الذي أصيب سابقاً في القصف، لا يحلم اليوم ببيت جديد، بل يتمنى فقط أن يجد مكاناً يزور فيه قبور والديه وإخوته الذين غيبهم الركام منذ ثمانية أشهر.
ويصف الطفل غبون مشاعره بأنها مزيج من اللهفة والحزن العميق مع بدء الحفار الوحيد في نبش الأنقاض بحثاً عن ثمانية من أقاربه. ويقول إنه يعيش في حالة من الترقب الدائم منذ لحظة القصف، آملاً أن تنتهي رحلة الانتظار المريرة بتمكينه من وداع عائلته ودفنهم بكرامة.
ولا تقتصر المعاناة على عائلة غبون، بل تمتد لآلاف الأسر التي تعيش الألم ذاته، مثل المسن يوسف الزهارنة الذي فقد ثلاثة من أبنائه في قصف استهدف منزلاً كان يؤوي 45 نازحاً. الزهارنة الذي انتشل جثماني اثنين من أبنائه أشلاءً، لا يزال يبحث عن ابنه الثالث المفقود تحت أنقاض المبنى المكون من خمسة طوابق.
ويستذكر الزهارنة بمرارة لحظة القصف الذي وقع دون سابق إنذار، محولاً حياة العشرات إلى جحيم تحت الأنقاض. ويؤكد الأب المكلوم أن كل ما يسعى إليه الآن هو العثور على أي جزء من رفات ابنه ليتمكن من بناء قبر له، معتبراً أن وجود قبر يزوره هو الفرج الوحيد الذي ينتظره.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن حجم الركام في قطاع غزة يتراوح ما بين 50 إلى 68 مليون طن متري، وهو رقم مرعب يعكس حجم الدمار غير المسبوق. هذا الكم الهائل من الحطام يغطي مساحات شاسعة من الأحياء السكنية، مما يجعل من عمليات البحث اليدوية أو المحدودة أمراً شبه مستحيل دون تدخل دولي واسع.
إن استمرار العمل بحفار واحد لانتشال آلاف الجثامين يعكس حجم العجز الذي يواجهه قطاع الدفاع المدني نتيجة الحصار والعدوان المستمر. وتواجه الفرق الفنية مخاطر انهيار الكتل الخرسانية الضخمة، بالإضافة إلى احتمالية وجود مخلفات غير منفجرة تحت الأنقاض، مما يضاعف من خطورة المهمة الملقاة على عاتقهم.
ويبقى ملف المفقودين في غزة جرحاً نازفاً يختبر ضمير العالم، في ظل استمرار منع دخول الآليات الضرورية لرفع الأنقاض. ومع كل يوم يتأخر فيه إدخال المعدات، تزداد معاناة آلاف العائلات التي تنتظر لحظة الوداع الأخير لذويها، في ظل واقع إنساني هو الأصعب في التاريخ الحديث للقطاع.





שתף את דעתך
بإمكانات شبه معدومة.. حفار وحيد يصارع الركام لانتشال 8500 جثمان في غزة