ש 27 יונ 2026 7:46 am - שעון ירושלים

ما وراء القضبان.. لماذا لا تنتهي رحلة التعذيب بمجرد نيل الحرية؟

حين يُفتح باب الزنزانة، يبدو المشهد للوهلة الأولى كأنه نهاية الكابوس الطويل، حيث الخطوات الأولى نحو الحرية واستنشاق الهواء دون أوامر عسكرية. لكن الحقيقة المرة تشير إلى أن الخروج المادي من السجن لا يعني بالضرورة الخروج من التجربة المؤلمة، إذ يظل المكان يسكن الضحايا لفترات طويلة.

إن التعذيب الممنهج لا يستهدف الجسد وحده، بل يسعى لهدم إحساس الإنسان بالأمان وتشويه علاقته بذاته وبالآخرين وبالزمن نفسه. لذا، يحمل الناجون سجونهم معهم إلى بيوتهم، وتتجلى تلك المعاناة في صمتهم الطويل ونظراتهم القلقة التي لا تفارقهم حتى في لحظات الهدوء.

تخلف ممارسات التعذيب ندوباً غائرة لا تتوزع بالتساوي بين الجسد والذاكرة، فبينما قد تلتئم الجروح الجسدية، ترفض الذاكرة الانصياع للمواعيد الطبية. قد توقظ رائحة عابرة أو صوت مفاجئ خوفاً دفيناً، ويتحول أي مكان مغلق إلى مصدر لضيق التنفس والقلق الوجودي.

يعاني الكثير من المعتقلين السابقين من اضطرابات حادة في النوم، حيث يستيقظون مراراً دون سبب واضح ويتجنبون الأماكن الضيقة بشكل غريزي. يتحول العالم بالنسبة إليهم إلى مساحة للفحص المستمر، حيث يراقبون المداخل والمخارج ويبحثون دائماً عمن يمكن الوثوق به في بيئة تبدو لهم غير آمنة.

تبدو عبارة 'انتهى الأمر' قاسية جداً حين تُقال للناجين، لأن ما انتهى فعلياً هو الاحتجاز المادي فقط، بينما تبدأ معركة استعادة الأمان النفسي فور الخروج. العائلات غالباً ما تنتظر لحظة الإفراج بوصفها نهاية للألم، لكنها تكتشف أنها بداية لمرحلة أكثر تعقيداً وحساسية.

يعود الشخص إلى أسرته لكنه لا يكون ذات الشخص الذي غادرهم، مما يخلق فجوة صامتة بين رغبة الأهل في المساعدة وعجزهم عن فهم ما يدور في داخله. قد ينسحب الناجي من الجلسات العائلية أو يغضب من أسئلة بسيطة، لأن الحديث عن التجربة قد يعيد إحياء الألم بدل التحرر منه.

يواجه ضحايا التعذيب في بعض البيئات وصمة اجتماعية لا تقل قسوة عن التعذيب نفسه، حيث يُحاصرون بأسئلة تشكيكية حول أسباب اعتقالهم وما إذا كانوا قد أدلوا باعترافات. هذه التساؤلات تحول الضحية إلى متهم مطالب بتبرير نفسه، مما يدفع الكثيرين نحو العزلة والصمت المطبق.

تزداد حدة هذه الوصمة عندما يتعلق الأمر بالنساء أو من تعرضوا لعنف جنسي، حيث يخشى الضحايا تحول ألمهم إلى مادة للفضيحة الاجتماعية. لذا، فإن المساندة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بأن ما حدث هو جريمة ارتكبت بحقهم، وليس عاراً يجب عليهم إخفاؤه أو تبريره.

لا تعيد الحرية الحياة العملية والاقتصادية بشكل تلقائي، إذ يصطدم المعتقل السابق بواقع مرير يتمثل في فقدان العمل أو انقطاع الدراسة وتراكم الديون. الأثر الاقتصادي للتعذيب يظل غائباً عن النقاش العام، رغم أنه يدفع الناجين إلى هوامش اجتماعية واقتصادية قاسية.

تصبح إعادة التأهيل في هذا السياق مساراً شاملاً يتجاوز العلاج النفسي ليشمل الدعم القانوني والحماية الاجتماعية وتوفير فرص العمل. يحتاج الناجون إلى بيئة لا تختزل إنسانيتهم في تجربتهم القاسية، ولا تطالبهم بالعودة إلى حالتهم 'الطبيعية' بشكل فوري ودون مساندة حقيقية.

تؤكد التقارير الحقوقية أن العدالة هي جزء لا يتجزأ من رحلة العلاج والتعافي، فحين يبقى الجلاد بلا محاسبة، يشعر الضحية أن الانتهاك قابل للتكرار. الصمت الرسمي أو إنكار وقوع التعذيب يبعث برسائل سلبية تعيد إنتاج الخوف وتعرقل مسيرة الشفاء النفسي للناجين.

العدالة لا تعني الانتقام، بل تبدأ بالاعتراف بالانتهاك وفتح تحقيقات جدية لمحاسبة المسؤولين وضمان عدم تكرار هذه الجرائم مستقبلاً. كما تتطلب توفير مؤسسات قادرة على الإصغاء والتوثيق المهني الذي يحمي الذاكرة من الإنكار ويحول الألم إلى حق قانوني مشروع.

قد يتجنب المجتمع سماع شهادات الضحايا لأنها تكشف حقيقة مزعجة حول إمكانية كسر الإنسان داخل مؤسسات تدعي الحفاظ على الأمن. هذا الهروب نحو النسيان أو تبرير الانتهاكات بحجة الظروف الصعبة، يساهم في حماية الجريمة أكثر مما يطوي صفحتها المؤلمة.

في الختام، فإن مساندة ضحايا التعذيب لا يجب أن تقتصر على يوم رمزي، بل هي التزام أخلاقي وقانوني طويل الأمد لضمان عدم تركهم وحيدين. إن القصة الحقيقية تبدأ بعد الإفراج، وتنتهي فقط حين يستعيد الإنسان حقه في العيش بكرامة، بعيداً عن سطوة الخوف والتهديد.

תגים

שתף את דעתך

ما وراء القضبان.. لماذا لا تنتهي رحلة التعذيب بمجرد نيل الحرية؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.