أقر أعضاء البرلمان الأوروبي في بروكسل، بصفة نهائية، حزمة من القواعد القانونية الأكثر صرامة فيما يتعلق بملف الهجرة، والتي تمنح الأجهزة الأمنية والسلطات التنفيذية صلاحيات غير مسبوقة. وتهدف هذه التعديلات إلى تشديد الرقابة على المهاجرين غير النظاميين وتسهيل عمليات ترحيلهم عبر آليات قانونية جديدة تتجاوز الحدود الجغرافية للاتحاد.
جاءت الموافقة على هذا المشروع المثير للجدل بعد جلسة تصويت شهدت انقساماً واضحاً في ستراسبورغ، حيث أيد النص 418 عضواً مقابل معارضة 218 آخرين. ويمثل هذا التصويت المحطة الأخيرة في مسار تشريعي معقد وطويل، خضع لضغوط سياسية متزايدة من الحكومات الأوروبية التي تسعى للحد من تدفق المهاجرين تحت وطأة صعود التيارات اليمينية.
أفادت مصادر بأن الأجواء داخل قاعة البرلمان تباينت بين ترحيب واسع من كتل اليمين واليمين المتطرف التي اعتبرت القرار انتصاراً لسيادتها، وبين تنديد حاد من قوى اليسار. ويرى المراقبون أن هذا الانقسام يعكس عمق الأزمة الأخلاقية والسياسية التي تعيشها القارة العجوز حيال التعامل مع ملف اللجوء وحقوق الإنسان.
تتضمن القواعد الجديدة بنداً يسمح للدول الأعضاء بفتح ما يسمى 'مراكز عودة' في دول تقع خارج النطاق الجغرافي للاتحاد الأوروبي. وسيتم إرسال المهاجرين الذين لا تتوفر فيهم شروط الإقامة القانونية إلى هذه المراكز بانتظار استكمال إجراءات ترحيلهم النهائي إلى بلدانهم الأصلية، وهو خيار بدأت دول عدة في دراسة تنفيذه فعلياً.
أكد المفوض الأوروبي للهجرة، ماغنوس برونر أن هذه الإجراءات تهدف إلى استعادة السيطرة على حدود القارة وضمان أن تكون الدولة هي صاحبة القرار في منح حق البقاء. وأشار برونر إلى أن الهدف الأساسي هو قطع الطريق أمام شبكات تهريب البشر التي كانت تستغل الثغرات القانونية السابقة لفرض واقع الهجرة غير النظامية.
بدأت دول أوروبية رائدة مثل الدنمارك والنمسا وألمانيا وهولندا، بالإضافة إلى اليونان، في بحث السبل اللوجستية والقانونية لإنشاء هذه المراكز الخارجية. وصرح رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، بأن بلاده تطمح لإبرام الاتفاقيات الأولى بهذا الشأن بحلول عام 2026، لتدخل حيز التنفيذ الفعلي في العام التالي.
تأتي هذه التحركات في وقت تشير فيه الإحصاءات الرسمية إلى تراجع ملحوظ في أعداد المهاجرين الوافدين خلال عام 2025، إلا أن الفعالية في تنفيذ قرارات الترحيل لا تزال منخفضة. وتوضح البيانات أن نسبة الذين يغادرون الأراضي الأوروبية فعلياً لا تتجاوز 30% ممن صدرت بحقهم أوامر قانونية بالمغادرة، مما دفع الاتحاد للبحث عن حلول أكثر صرامة.
هذا الإجراء يوضح للجميع أننا نحن من يقرر من يمكنه البقاء في الاتحاد الأوروبي ومن يجب أن يغادر، وليس المهربون.
وصف النائب الفرنسي اليميني، فرنسوا-كزافييه بيلامي، نتائج التصويت بأنها خطوة تاريخية تبرهن على قدرة أوروبا على التغيير وعدم الاستسلام لواقع العجز. واعتبر بيلامي أن القواعد الجديدة ستعيد الهيبة للقانون الأوروبي وتضع حداً لحالة التراخي التي سادت في التعامل مع ملفات الهجرة غير الشرعية لسنوات طويلة.
في المقابل، تفرض الإجراءات الجديدة التزامات صارمة على المهاجرين الصادرة بحقهم قرارات ترحيل، حيث يتعين عليهم التعاون الكامل مع السلطات لتنفيذ المغادرة. وفي حال الامتناع عن الامتثال، أو إذا رأت السلطات وجود خطر أمني أو احتمالية للفرار، فإنه يحق لها احتجاز المهاجر لمدة قد تصل إلى عامين كاملين.
أثارت هذه البنود موجة من الاستنكار لدى المنظمات الحقوقية الدولية، حيث اعتبرت منظمة 'كاريتاس' أن هذه القوانين تساهم في وصم المهاجرين ومعاملتهم كمجرمين. وحذرت المنظمة من أن هذه السياسات ستؤدي إلى تعميق الاستقطاب داخل المجتمعات الأوروبية وتهدد التماسك الاجتماعي الذي تسعى القارة للحفاظ عليه في ظل الأزمات الراهنة.
تمنح القواعد الجديدة السلطات المحلية الحق في تفتيش المهاجرين ومنازلهم وأي أماكن مرتبطة بهم، مع إمكانية مصادرة الممتلكات الشخصية لضمان تنفيذ عملية العودة. ويرى منتقدون أن هذه الصلاحيات تشبه إلى حد كبير الإجراءات المشددة التي كانت تتبعها وكالات الهجرة الأمريكية في عهود سابقة، مما يحول الاحتجاز إلى إجراء روتيني.
من جانبها، وصفت منظمة 'هيومن رايتس ووتش' هذا التحول بأنه يفتح الباب أمام استخدام مراكز احتجاز خارجية في دول قد لا تحترم معايير حقوق الإنسان الأساسية. وأشارت المنظمة إلى أن مناقشة هذه المشاريع مع دول مثل رواندا وأوزبكستان تثير مخاوف جدية بشأن مصير المهاجرين وطالبي اللجوء العالقين في تلك المراكز.
على الرغم من التوافق العام بين غالبية دول الاتحاد، إلا أن فرنسا وإسبانيا أبدتا معارضة واضحة لفكرة تخصيص ميزانيات مشتركة لتمويل هذه المراكز الخارجية. ويعكس هذا الموقف تخوفاً من التبعات القانونية والأخلاقية، فضلاً عن الشكوك في مدى فعالية هذه المراكز قياساً بتجارب سابقة فاشلة مثل الخطة البريطانية مع رواندا.
ينتظر القانون الآن الخطوة الأخيرة المتمثلة في الموافقة الرسمية من الدول الأعضاء ليصبح نافذاً بشكل قطعي، حيث من المتوقع أن يبدأ تطبيق معظم البنود فوراً. وستمنح بعض الأحكام التقنية مهلة عام كامل قبل دخولها حيز التنفيذ، مما يعطي الدول وقتاً لتكييف قوانينها المحلية مع المتطلبات الأوروبية الجديدة.





שתף את דעתך
البرلمان الأوروبي يقر قواعد مشددة لترحيل المهاجرين وإنشاء مراكز احتجاز خارجية