سلطت تقارير صحفية بريطانية الضوء على حالة التوتر المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً بين الإدارة الأمريكية وسلطنة عُمان. وأوضحت المصادر أن السياسات الأخيرة للرئيس دونالد ترامب أثارت غضباً واسعاً تجاه مسقط، لكنها في الوقت ذاته ساهمت في تعزيز الموقف الاستراتيجي للمملكة المتحدة في المنطقة.
وذكرت صحيفة التلغراف أن الرئيس الأمريكي لم يكن يهدف بتهديداته الأخيرة إلى تقديم خدمة لبريطانيا، إلا أن النتائج الميدانية تشير إلى عكس ذلك تماماً. فقد شن ترامب هجوماً لاذعاً على السلطنة مهدداً باستخدام القوة العسكرية، على خلفية اتهامات لمسقط بتسهيل التحركات الإيرانية في مضيق هرمز الاستراتيجي.
وكان ترامب قد صرح بلهجة حادة قائلاً: 'إما أن تتصرف عُمان كغيرها، أو سنضطر إلى تفجيرها'، وهو ما أثار صدمة في الأوساط الدبلوماسية الدولية. وتساءل مراقبون عما إذا كان الرئيس الأمريكي قد أخطأ في تحديد هدفه، خاصة وأن عُمان تُعرف تاريخياً بلقب 'سويسرا الشرق الأوسط' نظراً لحيادها الدائم.
ومع ذلك، يؤكد مسؤولون في الإدارة الأمريكية أن العلاقات بين واشنطن ومسقط تمر بمرحلة تدهور غير مسبوقة في الوقت الراهن. ويرى هؤلاء المسؤولون أن الدور المحوري الذي لعبته عُمان لسنوات طويلة كوسيط محايد وموثوق بين الولايات المتحدة وإيران بدأ يفقد قيمته وتأثيره في العصر الحالي.
وتتهم واشنطن السلطنة بالتقرب المفرط من طهران، خاصة بعد محاولات مسقط التوسط في جولة محادثات سبقت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة على إيران. ويبدو أن الصبر الأمريكي قد نفد تجاه السياسة العُمانية التي تحاول الموازنة بين القوى الإقليمية المتصارعة في المنطقة.
وبلغ الغضب الأمريكي ذروته عقب تقارير استخباراتية تفيد بأن السلطنة تدرس بجدية الانضمام إلى إيران في فرض رسوم على السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز. ويعد هذا المضيق شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز التي يستهلكها العالم يومياً.
وفي ظل هذه الأزمة، تلتزم سلطنة عُمان بصمتها المعهود وتتجنب الدخول في مواجهات إعلامية أو علنية مع الرئيس الأمريكي ترامب. ويرى خبراء أن المستفيد الأكبر من هذا التوتر هي المملكة المتحدة، التي وجدت في الأزمة فرصة لترسيخ وجودها العسكري والاستخباراتي في السلطنة.
إما أن تتصرف عُمان كغيرها، أو سنضطر إلى تفجيرها.
وتشير التقارير إلى أن إدارة ترامب حاولت سابقاً، وتحديداً خلال انتقال السلطة في مسقط عام 2020، عرض استبدال المستشارين العسكريين البريطانيين بآخرين أمريكيين. وقدمت واشنطن هذا العرض بشكل مجاني تماماً، إلا أن السلطنة رفضت المقترح الأمريكي بأسلوب دبلوماسي هادئ.
واختار السلطان هيثم بن طارق، منذ توليه الحكم خلفاً للسلطان قابوس، المضي قدماً في تعزيز العلاقات العسكرية مع لندن بشكل ملحوظ. وتجلى ذلك في قراره بتوسيع القاعدة البحرية البريطانية في مدينة الدقم، مما يعكس رغبة عُمانية في الحفاظ على التوازن الأمني التقليدي.
وعلى الرغم من أن الصين تبرز كمستثمر اقتصادي رئيسي وضخم في المشاريع التنموية العُمانية، إلا أن مسقط لا تزال ترى في الغرب حليفاً أمنياً. وتحديداً، تظل بريطانيا هي الشريك الاستراتيجي الأول في المجالات الاستخباراتية وحماية الحدود البحرية والبرية للسلطنة.
وتواجه مسقط حالياً ضغوطاً شديدة من البيت الأبيض، بالإضافة إلى انتقادات من بعض دول الخليج بسبب رفضها إدانة التحركات الإيرانية الأخيرة. ومع ذلك، تؤكد مصادر مقربة من دوائر صنع القرار في السلطنة أن مسقط لا تنوي تغيير مسارها السياسي المستقل تحت وطأة هذه الضغوط.
وتفتخر السلطنة بسياسة 'صديق الجميع وعدو لا أحد'، وهي العقيدة التي أسسها السلطان الراحل قابوس بن سعيد واستمر عليها خلفه. ويرى المسؤولون العُمانيون أن هذه السياسة هي الضمانة الوحيدة لاستقرار البلاد في ظل إقليم يعج بالصراعات والتحولات المفاجئة.
ويتوقع خبراء دوليون أن تستمر عُمان في التزامها بالصبر والثبات الاستراتيجي المعهود عنها لمواجهة العاصفة الدبلوماسية الحالية. وتراهن مسقط على عامل الوقت، منتظرة أن تهدأ حدة التصريحات الصادرة من واشنطن، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع كافة الأطراف.
ختاماً، يبدو أن التهديدات الأمريكية قد دفعت عُمان أكثر نحو الحضن البريطاني، مما أعاد رسم خارطة النفوذ الدولي في هذه البقعة الاستراتيجية. وتبقى الأيام القادمة كفيلة بتحديد ما إذا كان ترامب سينفذ وعيده، أم أن الدبلوماسية العُمانية ستنجح مجدداً في احتواء الأزمة.





שתף את דעתך
تهديدات ترامب لعُمان تعزز النفوذ البريطاني في مسقط