Sun 26 Jul 2026 10:12 am - Jerusalem Time

الذكاء الاصطناعي في الفضاء الجامعي

بقلم: د. صبري صيدم


يحمل موسم نتائج الثانوية العامة سنوياً صخباً مهماً لما يخلقه من حراك ملحوظ ما بين الأفراح الغامرة، والدموع الصامتة، لتصاحبهما أسئلةٌ تكاد لا تنتهي عن المستقبل الذي ينتظر طلبتنا في لحظاتٍ مصيرية، تحدد مساراتهم نحو خياراتهم الجامعية، إما بتأثيرٍ كبيرٍ للأهل نحو التخصصات التقليدية، أو شهرة التخصص ومدى المكانة الاجتماعية التي يحققها للأُسرة كاملة. غير أن الزمن قد تغيّر اليوم، ومعه تبدّل العالم، وتطور سوق العمل الذي لم يعد بدوره ينتظر المترددين، بل يفتح أبوابه لمن يقرأ المستقبل ويستشعر أهمية الموضعة الصحيحة.
وفي خضم أجواءٍ كهذه، يقف الذكاء الاصطناعي اليوم في قلب هذا المستقبل بكونه لم يعد مجرد تقنية حديثة أو برنامج ذكي، بل أصبح بحد ذاته العصر والمستقبل، ومحرك الاقتصادات على تنوعها، وأداة التغيير البشرية نحو تمكين الحكومات والشركات والجامعات من صناعة آفاقٍ جديدةٍ تضع الدول المهتمة في صلب عملية التغيير والحداثة.
لذلك فإن من يتقن مفهوم التموضع التقني والمعرفي والاقتصادي الصحيح، من خلال الانخراط الجاد في عالم الذكاء الاصطناعي، لن يبحث طويلًا عن الفرص، بل ستبحث الفرص عنه شخصياً ومجتمعياً واقتصادياً وعلى كل المستويات.
وعليه، نقول وبصراحة لجمهور الطلبة الناجحين أنْ لا تنظروا إلى الذكاء الاصطناعي على أنه دراسة جامعية  للتكنولوجيا فحسب، بل مسار متدحرج ومتواصل للدخول إلى المستقبل وصناعته. فهذا المجال إنما يقتحم وبقوة عوالم البرمجة، وتحليل البيانات، والرياضيات، والمال والأعمال، والطب، والهندسة، والإعلام، والزراعة، والأمن، والتعليم وقائمة لن تنتهي من التخصصات، بصورةٍ بات معها بمثابة الحاضر الأول في كل قطاع، بحيث أضحى مؤثرًا في كل مهنةٍ تقريبًا، وشريكاً أساسياً في تفاصيل الحياة اليومية. فلا يكاد يومٌ يمر دون الاتكاء عليه أو الحديث عنه أو الاستشعار بوقعه ومدى أهميته وأثره.
هذا الكلام لا يعني بالمطلق أن الجميع مطالب بدراسة تخصص الذكاء الاصطناعي جامعياً، خاصة أن حاجة المجتمعات للحرفيين والأطباء والمهندسين والمحامين والمعلمين والصحفيين وغيرهم ما زالت مهمة. لكن الفارق الحقيقي اليوم سيكون لمن يُبقي هذا النوع من التقانة في مخيلته، بحيث يستطيع أن يضمن الجمع بين تخصصه المنشود وقدرة هذا التخصص على تطويع الذكاء الاصطناعي لخدمته وتوسيع تطبيقاته ووضعها في خدمة البشر وتنميتهم.
فأطباء المستقبل وحرفيوه ومهندسوه ومحاموه وغيرهم سيضطرون لاستخدام الذكاء الاصطناعي بطرقٍ مختلفةٍ تستوجب التمازج المطلوب بين عملهم التقليدي وأدوات التكنولوجيا المؤثرة، ومنها هذا النوع من الذكاء الذي ولد بفعل تراكمية العلوم وإنجازات البشرية، واتساع قدرتها على إيجاد من يفكر عنها، ويخطط لها بالاستناد إلى عوالم الخوارزميات وأركان التكنولوجيا على اختلافها.
ومن هنا، فإن معظم الجامعات الفلسطينية والدولية إنما تسابق عقارب الساعة للمطالبة بتطوير برامجها الأكاديمية، وعدم الاكتفاء بإنشاء كلياتٍ جديدةٍ تحمل اسم الذكاء الاصطناعي، بل بإدماج مفاهيمه وتطبيقاته في جميع التخصصات، حتى يصبح جزءًا من الثقافة المهنية لكل خريج، لا حكرًا على فئةٍ محدودةٍ من الطلبة.
أيها الناجحون، إن اختياركم اليوم ليس قرارًا لسنواتٍ جامعيةٍ محدودةٍ فقط، بل هو استثمار لعقودٍ قادمةٍ من حياتكم، فيما يخلق لكم ولأهليكم مساحة للنجاح والإنجاز والتقدم. فلا تجعلوا الطموحات التقليدية واسترضاءات المجتمع تقودكم، بل سارعوا لرسم معالم ومقومات تؤسس لنجاعة مستقبلكم. ابحثوا، اسألوا، قارنوا، ثم اختاروا ما يتوافق مع شغفكم، ويستجيب في الوقت ذاته لتحولات العالم وتطورات ركائزه العلمية وسبل توسعه. إن من يقرأ المستقبل ويستشعر توجهاته لهو الأقدر على تحقيق ذاته التي يريد، بالعلم والعمل والمعرفة.
لقد تميزت الثورة الصناعية الأولى بصناعة الآلات، والثانية بإنتاج الكهرباء، والثالثة بإيجاد الحواسيب واستحداث الإنترنت وتعظيم ثورة الاتصالات، وخلق فضاءات جديدة، منها وسائل الإعلام الاجتماعي وتطبيقاتها، أما الثورة الرابعة فستُعيد تشكيل الإنسان بأدواتٍ قائمةٍ على تراكمية المعرفة وتحديد المسارات وتوظيف الذكاء الاصطناعي لخدمتها. لذا، سيقف الذكاء الاصطناعي ذاته في قلب ثورة التغيير، لا ليُلغي الإنسان، بل ليمنح الأفضلية لمن يتعلم هذا الذكاء ويكتشف عالمه، ويتقن تفاصيله، ويُحسن توظيفه اليوم وكل يوم.
لذلك علينا أن لا نقبل فلسطينياً رغم الجراح والآلام والتحديات والمصائب، إلا أن نكون من صُنّاع المستقبل، لا من المتفرجين عليه، فالشعوب التي اعتلت قطار المعرفة أحدثت الفارق. أما من تحدثت عن أحلامها دونما تحقيقها، فقد أصبحت كمن يكتب صكوكاً بنكيةً على ألواحٍ من الثلج. للحديث بقية!

[email protected]

ملاحظة: تم تدعيم هذا المقال بمساهمة جزئية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

Tags

Share your opinion

الذكاء الاصطناعي في الفضاء الجامعي

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.