يوافق اليوم ذكرى إقرار مجلس عصبة الأمم لصك الانتداب البريطاني على فلسطين، وهو الحدث الذي جرى في قصر سانت جيمس بلندن عام 1922. لم تكن هذه الوثيقة مجرد إجراء إداري روتيني لإدارة الأقاليم الخارجة من العباءة العثمانية، بل كانت بمثابة حجر الزاوية القانوني الذي ثبت المشروع الصهيوني في الأرض الفلسطينية.
لقد نجحت بريطانيا من خلال هذا الصك في تحويل 'وعد بلفور' الصادر عام 1917 من التزام سياسي أحادي الجانب إلى وثيقة قانونية دولية ملزمة. وبموجب هذا التحول، أصبح للنشاط الصهيوني غطاء شرعي من المنظمة الدولية القائمة آنذاك، مما مهد الطريق لسياسات الهجرة والاستيطان الممنهجة.
دخل الصك حيز التنفيذ الفعلي في سبتمبر 1923، ليمنح بريطانيا صلاحيات واسعة في إدارة شؤون فلسطين بما يخدم إقامة 'وطن قومي لليهود'. وقد تضمن النص آليات تنفيذية واضحة، شملت تسهيل الهجرة اليهودية وتمليك الأراضي، مع تجاهل تام للحقوق السياسية للشعب الفلسطيني الأصيل.
المفارقة التاريخية تكمن في أن الصك أشار إلى الفلسطينيين بوصفهم 'طوائف غير يهودية'، حاصراً حقوقهم في الجوانب المدنية والدينية فقط. هذا التوصيف حرم الغالبية الساحقة من السكان من حق تقرير المصير، وهو الحق الذي كفله ميثاق عصبة الأمم لمجتمعات أخرى كانت تحت الحكم العثماني.
قبل إقرار الصك رسمياً، كانت بريطانيا قد بدأت بالفعل إدارتها المدنية لفلسطين وعينت 'هربرت صموئيل' كأول مندوب سامٍ. هذا التحرك الاستباقي عكس رغبة لندن في فرض واقع جديد على الأرض قبل اكتمال الغطاء القانوني الدولي، مما عزز من نفوذ المؤسسات الصهيونية الناشئة.
اعتمدت الوثيقة الدولية في مقدمتها على ما وصفته بـ'الصلة التاريخية للشعب اليهودي بفلسطين'، وهي صياغة تجاوزت حتى نص وعد بلفور الأصلي. وبناءً على ذلك، أصبحت الدولة المنتدبة مسؤولة عن تهيئة الظروف السياسية والاقتصادية التي تضمن نجاح المشروع الصهيوني على حساب أصحاب الأرض.
منحت المادة الرابعة من الصك اعترافاً رسمياً بـ'الوكالة اليهودية' كجهة استشارية تتعاون مع الإدارة البريطانية في شؤون البلاد. هذا الاعتراف مكن الحركة الصهيونية من المشاركة الفعلية في رسم السياسات العامة، بينما ظل الفلسطينيون يفتقرون لأي تمثيل سياسي معترف به دولياً.
لم يعترف الصك بالفلسطينيين بوصفهم شعباً يتمتع بحقوق سياسية، بل أشار إليهم باعتبارهم 'الطوائف غير اليهودية'، رغم أنهم كانوا يشكلون الغالبية الساحقة.
وفيما يخص الديموغرافيا، أظهر أول تعداد سكاني أجراه الاحتلال البريطاني عام 1922 أن المسلمين والمسيحيين يشكلون نحو 88% من إجمالي السكان. ورغم هذه الأغلبية الساحقة، إلا أن القوانين التي سنها الانتداب كانت تهدف بشكل أساسي لتغيير هذا التوازن لصالح المهاجرين الجدد.
شجعت المادة السادسة من الصك على استيطان اليهود في الأراضي الحكومية والأراضي البور، مما أدى إلى تجريف الملكيات الفلسطينية لصالح المستوطنات. كما سهلت المادة السابعة إجراءات التجنس، لضمان تحويل المهاجرين إلى مواطنين يتمتعون بكافة الامتيازات القانونية والسياسية.
قوبلت هذه السياسات برفض فلسطيني قاطع منذ اللحظات الأولى، حيث طالبت المؤتمرات الوطنية بإلغاء الانتداب ووقف الهجرة الصهيونية. وتوجهت وفود فلسطينية إلى لندن للمطالبة بحكومة وطنية تمثل السكان، إلا أن هذه المطالب قوبلت بتعنت بريطاني مدعوم بالشرعية الدولية الممنوحة للصك.
حتى داخل البرلمان البريطاني، ظهرت أصوات معارضة اعتبرت الصك مخالفاً لرغبات السكان المحليين، لكن الحكومة مضت في تنفيذ مخططاتها. ومع فشل المحاولات السياسية، لجأ الفلسطينيون إلى المقاومة الشعبية التي توجت بالثورة الكبرى عام 1936، والتي قمعتها بريطانيا بكل قوتها العسكرية.
خلال ربع قرن من الانتداب، ارتفعت نسبة اليهود في فلسطين من 11% إلى نحو 33%، بفضل الدعم المؤسسي والقانوني الذي وفره الصك. هذا التغيير الديموغرافي لم يكن ليحدث لولا الغطاء الذي وفرته عصبة الأمم لبريطانيا لتنفيذ التزاماتها تجاه الحركة الصهيونية.
عندما انتهى الانتداب في مايو 1948، كانت المؤسسات الصهيونية قد اكتملت بنيتها التحتية والعسكرية بفضل سنوات الرعاية البريطانية. وفي المقابل، كان المجتمع الفلسطيني قد تعرض لعمليات إنهاك ممنهجة، مما مهد الطريق لوقوع النكبة وتهجير مئات الآلاف من ديارهم.
يبقى صك الانتداب وثيقة شاهدة على كيفية تسخير القانون الدولي لخدمة مشاريع استعمارية واقتلاعية في قلب العالم العربي. إن آثاره لا تزال حاضرة في تفاصيل الصراع اليوم، حيث شكل الأساس الذي قامت عليه الرواية القانونية والسياسية لدولة الاحتلال في المحافل الدولية.





Share your opinion
صك الانتداب البريطاني.. كيف حولت عصبة الأمم 'وعد بلفور' إلى قانون دولي؟