Tue 21 Jul 2026 10:30 am - Jerusalem Time

هل انتهى عصر مجلس الأمن؟

مع تسارع الأحداث الدولية والحروب التي يشهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، أصبح من الصعب الحديث عن مجلس الأمن بوصفه الجهة الدولية القادرة على الاضطلاع بمسؤوليته الأساسية في حفظ السلم والأمن الدوليين. فقد كشفت الأزمات المتلاحقة، ابتداء من الحرب في أوكرانيا، مروراً بجرائم الاحتلال في قطاع غزة، وانتهاء بالحرب على إيران، عن فجوة متزايدة بين الصلاحيات الواسعة التي منحها ميثاق الأمم المتحدة للمجلس، وبين قدرته الفعلية على ممارستها، الأمر الذي يثير تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كانت المنظومة التي أنشئت عام 1945 ما تزال قادرة على إدارة النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين.
ويعود جانب كبير من هذا العجز إلى تركيبة المجلس نفسها، وبخاصة نظام العضوية الدائمة وحق النقض. فقد منح ميثاق الأمم المتحدة الدول الخمس دائمة العضوية امتيازاً استثنائياً يتيح لأيٍّ منها تعطيل صدور أي قرار جوهري، حتى وإن حظي بتأييد جميع أعضاء المجلس الآخرين. وقد كان هذا النظام مفهوما في سياق التوازنات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، إلا أنه أصبح اليوم أحد أبرز أسباب شلل المجلس، بعدما غدت الاعتبارات السياسية والمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى تتقدم على أحكام القانون الدولي ومتطلبات حفظ السلم والأمن الدوليين.
ولعل الأخطر من ذلك أن إصلاح مجلس الأمن أصبح رهينة لنصوص النظام الذي يراد تحديثه وتطويره. فالميثاق، في الفصل الثامن عشر منه، يشترط لتعديل أحكامه، بما في ذلك الأحكام المتعلقة بتشكيل المجلس أو بحق النقض، تصديق ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، على أن يكون من بينها جميع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. وبذلك أصبحت دول الفيتو تمتلك، عمليا، حق النقض على أي مشروع لإصلاح المجلس، الأمر الذي جعل الدعوات المتكررة لإعادة النظر في موازين القوة الدولية تصطدم بعقبة قانونية وسياسية يصعب تجاوزها.
وما زاد الأمر تعقيداً أن المجتمع الدولي بدأ يبحث عن أطر بديلة لمعالجة القضايا الأمنية الكبرى خارج الإطار التقليدي لمجلس الأمن، من خلال تحالفات سياسية أو مبادرات دولية نشأت استجابة لمصالح الدول المؤثرة. ومن أبرز هذه المبادرات فكرة "مجلس السلام" التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والتي وإن كان هدفها المعلن تنسيق الجهود لإعادة إعمار قطاع غزة، فإن ميثاقها تضمن أهدافاً تتجاوز ذلك، من بينها المساهمة في تسوية النزاعات المسلحة، وإنشاء قوة عسكرية دولية تتولى التدخل للمحافظة على السلم والأمن في مناطق الصراع.
وبغض النظر عن الدوافع السياسية لهذه المبادرة، فإن مجرد طرحها يعكس تراجعا في الثقة بقدرة مجلس الأمن على أداء وظيفته التقليدية، ويؤشر إلى أن القوى الدولية باتت تبحث اليوم عن أدوات موازية بسبب عجز المؤسسات القائمة عن الاستجابة الفاعلة للأزمات الدولية.
ولا يقتصر أثر هذا التراجع على الجانب السياسي، بل يمتد إلى منظومة العدالة الجنائية الدولية. فقد منح نظام روما الأساسي مجلس الأمن صلاحيات واسعة لإحالة أوضاع تنطوي على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي إلى المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن ممارسة هذه السلطات أصبحت هي الأخرى خاضعة للاعتبارات السياسية المرتبطة بحق النقض، مما أوجد حالة من التوتر بين مقتضيات العدالة الجنائية الدولية وحسابات السياسة الدولية، وأبقى كثيراً من الجرائم الدولية بعيدا عن المساءلة.
كما أن مجلس الأمن لم يعد يؤدي الدور الذي اضطلع به في تسعينيات القرن الماضي عندما أنشأ المحكمتين الجنائيتين الدوليتين الخاصتين بيوغوسلافيا السابقة ورواندا. فعلى الرغم من تعدد النزاعات المسلحة خلال العقود الأخيرة، لم يبادر إلى إنشاء محاكم جنائية دولية خاصة جديدة، ولم يتمكن من توفير آليات قضائية فعالة لمحاسبة مرتكبي الجرائم الدولية في العديد من الأزمات، وهو ما يعكس تراجعا واضحا في قدرته على توظيف صلاحياته القانونية لخدمة العدالة الدولية.
إن المشكلة التي تواجه مجلس الأمن لا تكمن في نقص صلاحياته، وإنما في غياب الإرادة السياسية لممارستها. فالميثاق ما زال يمنحه سلطات واسعة لفرض العقوبات، وإنشاء عمليات حفظ السلام، بل والإذن باستخدام القوة عند الضرورة، إلا أن الانقسامات بين القوى الكبرى عطلت فاعلية هذه السلطات وأضعفت مكانته، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي إلى البحث عن بدائل خارج إطاره.
ولهذا، فإن السؤال المطروح اليوم لم يعد ما إذا كان مجلس الأمن بحاجة إلى الإصلاح، بل ما إذا كان النظام الدولي سيستمر في انتظار تحديث يبدو شبه مستحيل، أم أنه سيتجه تدريجيا إلى بناء مؤسسات وآليات موازية تتولى الوظائف التي عجز المجلس عن أدائها. وعندها لن يكون التحدي الحقيقي هو إصلاح مجلس الأمن، وإنما الحفاظ على مكانته في نظام دولي بدأ بالفعل يبحث عن بدائل تتجاوز حدوده التقليدية.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
[email protected]


Tags

Share your opinion

هل انتهى عصر مجلس الأمن؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.