Mon 20 Jul 2026 9:52 am - Jerusalem Time

إرهاب المستوطنين بين صمود الفلسطينيين وعجز النظام والقانون الدولي عن حماية الضحية



لم تعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، بما فيها القدس، أحداثًا عابرة يمكن التعامل معها بوصفها تجاوزات فردية، بل أصبحت جزءًا من سياسة أمر واقع تستهدف الإنسان الفلسطيني والأرض الفلسطينية في آنٍ واحد. فما يجري من إحراق للمنازل والمركبات، واقتلاع للأشجار، والاعتداء على المزارعين، وإقامة البؤر الاستيطانية، وفرض القيود على حركة المواطنين، يشير إلى نمط متكرر من العنف المنظم، يهدف إلى دفع الفلسطينيين نحو الرحيل القسري عن أراضيهم، وإحلال واقع جديد يخدم المشروع الاستيطاني.
إن خطورة هذه الاعتداءات لا تكمن في آثارها المادية فحسب، بل في كونها تمس الأمن المجتمعي، وتستهدف الوجود الفلسطيني في المناطق الأكثر عرضة للاستيطان. وعندما تتكرر هذه الاعتداءات دون مساءلة فعالة، فإن الرسالة التي تصل إلى المستوطنين هي أن الإفلات من العقاب يشجع على مزيد من العنف، بينما يدفع الفلسطيني ثمنًا يوميًا من أمنه ورزقه واستقراره.
ورغم قسوة المشهد، فإن المواجهة لا تكون بردود فعل آنية أو موسمية، بل تحتاج إلى رؤية وطنية شاملة تستند إلى الصمود، والقانون، والتنظيم، والعمل السياسي والدبلوماسي المتواصل.
أولى أولويات هذه الرؤية هي تعزيز صمود المواطنين في القرى والتجمعات المهددة، من خلال توفير مقومات البقاء الكريم، ودعم المزارعين، وحماية الأراضي الزراعية، وتمويل مشاريع تنموية تعزز ارتباط الإنسان بأرضه. فالتنمية في المناطق المستهدفة ليست مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل هي أداة من أدوات حماية الأرض.
أما الأولوية الثانية، فتتمثل في إعادة بناء وحدة الموقف الفلسطيني. فالانقسام السياسي يضعف القدرة على مواجهة التحديات الكبرى، فيما تشكل الوحدة الوطنية عنصر قوة في الحراك السياسي والقانوني والدبلوماسي، وتمنح المجتمع الفلسطيني قدرة أكبر على تنظيم جهوده وتوظيف إمكاناته.
وعلى الصعيد القانوني، ينبغي أن تتحول عملية توثيق الاعتداءات إلى عمل مؤسسي احترافي، يعتمد المعايير الدولية في جمع الأدلة وحفظها، بما يتيح استخدامها أمام الجهات القضائية المختصة، ويعزز جهود المساءلة القانونية على المستوى الدولي. فالوثيقة الموثقة قد تكون في كثير من الأحيان أكثر تأثيرًا من عشرات البيانات السياسية.
وفي المجال الدبلوماسي، لا يكفي الاكتفاء بإدانة الاعتداءات، بل يجب مواصلة التحرك مع الدول والمنظمات الدولية لحشد مواقف عملية ترفض الاستيطان والعنف ضد المدنيين، وتدعم احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وتطالب بتوفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين.
كما أن المقاومة الشعبية السلمية تظل ركيزة مهمة في حماية الأرض وتعزيز الحضور الفلسطيني، عندما تُنظم بصورة مستمرة ومدروسة، وتحظى بإسناد مجتمعي وإعلامي واسع، يعكس تمسك الفلسطينيين بحقوقهم، ويبرز معاناتهم أمام الرأي العام العالمي.
ولا يقل دور الإعلام أهمية عن بقية الأدوات. فالمعركة اليوم ليست ميدانية فقط، بل هي أيضًا معركة رواية وصورة ومعلومة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعلام مهني يوثق الانتهاكات بدقة، ويخاطب العالم بلغاته المختلفة، ويقدم الرواية الفلسطينية بلغة القانون والحقائق، بعيدًا عن الانفعال والخطاب الذي قد يضعف أثر الرسالة.
إن مسؤولية مواجهة اعتداءات المستوطنين لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية وطنية تتكامل فيها أدوار القيادة السياسية، والمؤسسات الرسمية، والقوى الوطنية، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والمواطنين أنفسهم. وكلما كان هذا التكامل أكثر فاعلية، ازدادت قدرة الفلسطينيين على حماية وجودهم الوطني.
إن الشعب الفلسطيني، الذي أثبت عبر عقود طويلة قدرة استثنائية على الصمود، يمتلك من الخبرة والإرادة ما يؤهله لمواجهة هذه المرحلة الصعبة. غير أن الصمود وحده لا يكفي ما لم يتحول إلى استراتيجية وطنية متماسكة، تجمع بين تعزيز الوجود على الأرض، والعمل القانوني والدبلوماسي، وبناء المؤسسات، وتوحيد الصف الوطني. ففي معركة الوجود، لا يكون الانتصار فعلًا لحظيًا، بل هو حصيلة تراكم طويل من الصبر، والتنظيم، والتمسك بالحقوق، والإيمان بأن الأرض التي يحرسها أهلها تبقى عصية على محاولات الاقتلاع.
ولعل أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق هو التراجع الملحوظ في قدرة النظام الدولي على إنفاذ قواعد القانون الدولي عندما يتعلق الأمر بالأراضي الفلسطينية المحتلة. فعلى الرغم من وضوح القواعد القانونية التي تحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، ونقل سكان الدولة القائمة بالاحتلال إلى الأراضي المحتلة، والاعتداء على المدنيين وممتلكاتهم، فإن هذه القواعد كثيرًا ما تصطدم بعجز الإرادة السياسية الدولية عن تحويل المبادئ القانونية إلى إجراءات عملية رادعة. ونتيجة لذلك، تتسع الفجوة بين ما يقرره القانون الدولي وما يعيشه الفلسطيني يوميًا على أرض الواقع.
لقد أصدر المجتمع الدولي، عبر الأمم المتحدة وأجهزتها المختلفة، عشرات القرارات التي تؤكد عدم شرعية الاستيطان وتدعو إلى وقفه، كما صدرت مواقف متكررة من العديد من الدول والمنظمات الدولية تدين عنف المستوطنين. غير أن الإدانة، مهما تكررت، لا تكفي إذا لم تُترجم إلى آليات مساءلة فعالة وإجراءات عملية تكفل احترام القانون الدولي. فالقانون يفقد جزءًا من هيبته عندما يبقى بلا وسائل إنفاذ، وتصبح قواعده أقرب إلى المبادئ الأخلاقية منها إلى الالتزامات القانونية الملزمة.
ومن هنا، فإن المسؤولية الفلسطينية لا تقتصر على مواجهة الاعتداءات ميدانيًا، بل تمتد إلى إعادة صياغة الخطاب السياسي والدبلوماسي بحيث ينتقل من المطالبة بالتضامن إلى المطالبة بتفعيل أدوات المساءلة الدولية. فالمطلوب ليس مجرد استصدار بيانات جديدة، وإنما البناء على ما هو قائم من قواعد قانونية وقرارات دولية من أجل حشد إرادة سياسية دولية قادرة على ضمان احترام القانون، وتوفير حماية أفضل للمدنيين، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي تشجع على استمرار الانتهاكات.
وفي المقابل، فإن التحرك الفلسطيني سيكون أكثر تأثيرًا إذا استند إلى رؤية وطنية موحدة، وإلى خطاب قانوني مهني يخاطب المجتمع الدولي بلغة الحقوق والالتزامات، بعيدًا عن الشعارات والانفعال. فالمعركة اليوم ليست فقط معركة على الأرض، وإنما هي أيضًا معركة على شرعية الرواية، وعلى قدرة القانون الدولي على أن يظل إطارًا ناظمًا للعلاقات الدولية، لا نصوصًا تُطبَّق بانتقائية وفق موازين القوى السياسية.

Tags

Share your opinion

إرهاب المستوطنين بين صمود الفلسطينيين وعجز النظام والقانون الدولي عن حماية الضحية

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.