واشنطن – سعيد عريقات – 15/7/2026
في تطور يعكس اتساع الانقسام داخل المؤسسة السياسية الأميركية بشأن الحرب على إيران والسياسات الدفاعية لإدارة الرئيس دونالد ترمب، نجح أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ، الثلاثاء، في منع المضي قدماً بمناقشة مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) للسنة المالية 2027، الذي تبلغ قيمته نحو 1.15 تريليون دولار، وذلك اعتراضاً على تمويل الحرب المستمرة ضد إيران، فضلاً عن بنود تنص على توسيع التعاون العسكري والاستخباراتي بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وحصل المشروع على تأييد 50 عضواً جمهورياً، مقابل معارضة 46 عضواً ديمقراطياً، لكنه أخفق في بلوغ عتبة الستين صوتاً اللازمة لفتح باب النقاش. وصوّت زعيم الأغلبية الجمهورية جون ثون ضد المشروع لأسباب إجرائية تتيح إعادة طرحه لاحقاً، فيما تغيب أربعة أعضاء عن الجلسة.
ويُعد هذا التصويت من أكثر الانتكاسات السياسية التي تواجه مشروع قانون الدفاع السنوي، الذي اعتاد الكونغرس إقراره بتوافق واسع بين الحزبين، الأمر الذي يعكس تغيراً ملحوظاً في طبيعة النقاش الدائر حول الإنفاق العسكري ودور الولايات المتحدة في النزاعات الخارجية.
ويأتي هذا التطور في وقت تدفع فيه إدارة ترمب نحو خطة أمن قومي أوسع تبلغ قيمتها نحو 1.5 تريليون دولار لعام 2027، تشمل أكثر من 350 مليار دولار مخصصة لإنتاج الذخائر، وبناء السفن الحربية، وأنظمة الدفاع الصاروخي، والطائرات المسيّرة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى برامج تسلح بعيدة المدى، في إطار إعادة هيكلة القدرات العسكرية الأمريكية بعد الحرب مع إيران.
وبرزت المادة 1217 من مشروع القانون باعتبارها إحدى أكثر مواده إثارة للجدل، إذ تنص على تعزيز غير مسبوق للتكامل العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما اعتبره معارضون محاولة لمنح هذا التعاون صفة قانونية دائمة تتجاوز حدود التنسيق التقليدي بين البلدين.
وقاد السيناتور المستقل بيرني ساندرز، إلى جانب السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن، حملة إسقاط المشروع، معتبرين أن مشروع القانون لا يقتصر على زيادة الإنفاق العسكري، بل يتضمن موافقة ضمنية على الحرب التي تشنها إدارة ترمب ضد إيران.
وقال ساندرز إن مشروع القانون “يخصص أموالاً لحرب غير قانونية وغير أخلاقية ضد إيران، ويتضمن بنداً خاصاً لتوفير مزيد من الأسلحة لإسرائيل مع غياب شبه كامل للرقابة البرلمانية”، مضيفاً أن الوقت قد حان “للاستثمار في الشعب الأمريكي، لا في الحروب التي لا تنتهي.”
من جانبه، أعلن السيناتور جيف ميركلي رفضه المشروع، مؤكداً أنه لا يستطيع تأييد إنفاق عسكري وصفه بالمفرط، ولا منح موافقة فعلية على الحرب ضد إيران، ولا القبول ببنود تفرض تعميق التعاون الدفاعي والاستخباراتي مع إسرائيل.
أما السيناتور رون وايدن، فاعتبر أن إنفاق 1.15 تريليون دولار على وزارة الدفاع في ظل الحرب مع إيران لا يجعل الأمريكيين أكثر أمناً، بل يعرّض القوات الأمريكية والمدنيين لمزيد من المخاطر، ويسهم في ارتفاع أسعار الطاقة، كما انتقد البنود التي توسع التعاون مع الشركات الإسرائيلية في مجالات المراقبة والذكاء الاصطناعي، محذراً من إمكانية إساءة استخدام هذه التقنيات وانعكاساتها على حقوق الإنسان.
في المقابل، هاجم الجمهوريون موقف الديمقراطيين، واتهم السيناتور بيرني مورينو زملاءه بـ"احتجاز الولايات المتحدة رهينة" لأسباب سياسية، بينما رأى السيناتور جون كورنين أن الديمقراطيين يضعون الحسابات الحزبية فوق اعتبارات الأمن القومي.
ولقي التصويت ترحيباً واسعاً من منظمات المجتمع المدني والجماعات المناهضة للحرب، إذ اعتبرت ميديا بنجامين، المؤسسة المشاركة لمنظمة “كود بينك”، أن مجلس الشيوخ رفض للمرة الأولى تمرير موازنة دفاع ضخمة بهذه السرعة، معتبرة أن الضغوط الشعبية لعبت دوراً أساسياً في تحقيق هذه النتيجة.
كما رأى ستيف إليس، رئيس منظمة "دافعو الضرائب من أجل الحس السليم" في تصريح صحفي، أن التصويت بعث رسالة واضحة إلى وزارة الدفاع مفادها أن طلب زيادة الموازنة الأساسية بنسبة 28 في المائة لم يعد يحظى بقبول تلقائي، محذراً من أن استمرار هذا المستوى من الإنفاق قد يضيف أكثر من ثلاثة تريليونات دولار إلى الدين العام خلال السنوات الثماني المقبلة.
بدوره، وصف روبرت وايزمان، الرئيس المشارك لمنظمة "بابليك سيتيزن" لموقع "كومون دريمز"، نتيجة التصويت بأنها رفض مزدوج، يتمثل في الاعتراض على زيادة الإنفاق على مؤسسة دفاعية تتعرض لاتهامات مزمنة بالهدر، ورفض الحرب التي تخوضها إدارة ترمب ضد إيران، مؤكداً أن الناخبين الأمريكيين باتوا يفضلون توجيه الموارد نحو الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية بدلاً من توسيع الإنفاق العسكري.
وفي السياق نفسه، اعتبر غريغ وليامز، مدير مركز معلومات الدفاع في مشروع الرقابة الحكومية في تصريح صحفي، أن مجلس الشيوخ اتخذ القرار الصحيح برفض مشروع القانون، مشيراً إلى أن مستوى الإنفاق المقترح يمثل أكبر زيادة في الموازنة العسكرية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.
وفي محاولة لطرح بديل مختلف، قدم السيناتور إد ماركي مشروع قانون جديد بعنوان "خفض موازنة البنتاغون"، يقترح سقفاً للإنفاق الدفاعي عند نحو 750 مليار دولار، وهو رقم لا يزال مرتفعاً وفق بعض الخبراء، لكنه يقل كثيراً عن المقترحات الحالية.
ورغم أن التصويت لا يعني إسقاط مشروع القانون نهائياً، فإنه يوجه ضربة سياسية لإدارة ترمب ويكشف تصاعد المعارضة داخل الكونغرس لربط الإنفاق الدفاعي بالحرب على إيران وبسياسات توسيع الشراكة العسكرية مع إسرائيل، وهو ما يرجح مفاوضات شاقة قبل التوصل إلى صيغة تحظى بقبول الحزبين.
يمثل هذا التصويت نقطة تحول مهمة في الجدل الأميركي حول الأمن القومي، إذ لم يعد الخلاف يدور حول حجم الإنفاق العسكري فحسب، بل حول فلسفة استخدام القوة العسكرية نفسها. فالحرب على إيران أعادت إلى الواجهة التساؤلات الدستورية بشأن صلاحيات الرئيس في خوض الحروب دون تفويض صريح من الكونغرس، كما أعادت إحياء تيار سياسي يرى أن الأولوية ينبغي أن تكون لمعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة، بدلاً من توسيع الانخراط في صراعات خارجية مكلفة مالياً وسياسياً.
كما يكشف الجدل حول المادة 1217 أن العلاقة العسكرية بين واشنطن وإسرائيل دخلت مرحلة جديدة تتجاوز التعاون التقليدي إلى السعي لإرساء تكامل مؤسسي دائم في مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية. ويخشى معارضو هذا التوجه أن يؤدي تثبيت هذه العلاقة في القانون إلى تقليص قدرة الإدارات والكونغرس مستقبلاً على ممارسة الرقابة أو إعادة تقييم حدود التعاون، بما يجعل الالتزامات الاستراتيجية أقل خضوعاً للنقاش السياسي مع تغير الظروف الإقليمية.
وتعكس نتيجة التصويت أيضاً تحولاً تدريجياً داخل الحزب الديمقراطي، حيث باتت أصوات الاعتراض على الحروب الخارجية والدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل أكثر حضوراً وتأثيراً مقارنة بالسنوات الماضية. وإذا استمرت الحرب على إيران في استنزاف الموارد الأمريكية ورفع تكاليف الطاقة وإثارة الانقسامات الداخلية، فقد يصبح الإنفاق الدفاعي أحد أبرز ملفات المواجهة السياسية في انتخابات الكونغرس المقبلة، مع تزايد الضغوط الشعبية لإعادة توجيه الموارد نحو الاقتصاد والرعاية الصحية والبنية التحتية، بدلاً من تمويل صراعات خارجية مفتوحة.





Share your opinion
الديمقراطيون يعرقلون مشروع موازنة الدفاع الأمريكية احتجاجاً على حرب إيران وتعميق التكامل العسكري مع إسرائيل