تنتهي الانتخابات في يوم واحد، لكن أخلاق الرجال تبقى هي التي يذكرها الناس. فالفوز والخسارة وجهان طبيعيان لأي منافسة، أما احترام النتيجة فهو المعيار الحقيقي للنضج، والقدرة على تقديم المصلحة العامة على المشاعر الشخصية.
ليس كل من خسر مهزوما، وليس كل من فاز منتصرا بالمعنى الحقيقي. فالهزيمة الحقيقية تبدأ عندما يرفض الانسان الاعتراف بالواقع، ويقضي وقته في البحث عن مبررات لخسارته، أو في محاولة تعطيل من نال ثقة الناس. عندها تتحول المنافسة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى معركة شخصية يدفع المواطن ثمنها.
بعد كل خسارة، هناك طريقان لا ثالث لهما. الأول أن يراجع الانسان نفسه، ويسأل بصدق: لماذا لم أحصل على ثقة الناس؟ ماذا كان ينقصني؟ وما الذي يجب أن أغيره حتى أكون أكثر استحقاقا في المرة القادمة؟ أما الطريق الثاني فهو تعليق الفشل على الآخرين، وشيطنة الفائز، والتشكيك في كل خطوة يقوم بها، وكأن نجاحه أصبح خطرا يجب مقاومته لا فرصة للتنافس الشريف.
الطريق الأول يصنع قادة، أما الثاني فلا يصنع إلا مزيدا من الخسائر.
الناس لا تمنح ثقتها لمن يكثر من الشكوى، ولا لمن يعيش في الماضي، بل لمن يتعلم من أخطائه، ويملك الشجاعة لتغيير نفسه قبل أن يطالب الآخرين بالتغيير. فالمراجعة ليست اعترافا بالضعف، بل دليل على الثقة بالنفس، لأن من يعرف مواضع التقصير هو وحده القادر على تجاوزها.
وفي العمل البلدي تحديدا، يجب أن تنتهي الخصومة مع إعلان النتائج. فالبلدية ليست ساحة لتصفية الحسابات، وليست ملكا للرئيس، ولا للفريق الفائز، ولا للمعارضة، بل هي مؤسسة وجدت لخدمة المواطنين. وكل عضو في المجلس البلدي يحمل المسؤولية نفسها، ويؤدي القسم نفسه، ويحاسبه المواطن على أدائه لا على موقفه من هذا الشخص أو ذاك.
إن وضع العراقيل أمام رئيس البلدية أو أمام المجلس، أو تعطيل المشاريع بدافع الخلاف أو المنافسة، لا يهزم الرئيس، بل يهزم المدينة. ولا يعاقب الفريق الفائز، بل يعاقب كل مواطن ينتظر خدمة أو مشروعا أو فرصة تنمية.
المعارضة الحقيقية ليست معارضة الاشخاص، بل معارضة الخطأ. وهي لا تعطل، بل تراقب. ولا تهدم، بل تصوب. ولا تبحث عن فشل الآخرين، بل تسعى إلى نجاح المؤسسة، لأن نجاحها هو نجاح للمجتمع كله.
ومن أراد أن ينصب نفسه ولي أمر للمواطن، أو أن يقدم نفسه قائدا للعمل العام، فعليه أن يتحلى قبل كل شيء بأخلاق القيادة. فالقيادة ليست صوتا مرتفعا، ولا خابات غاضبة، ولا حملات تشويه، وإنما هي حكمة عند الخلاف، وعدل عند الخصومة، وتواضع عند الخطأ، واحترام لإرادة الناس مهما خالفت رغباته.
الهزيمة ليست نهاية المشوار، بل قد تكون أهم محطة فيه. فمن يتعلم منها يعود أكثر خبرة، وأكثر قربا من الناس، وأكثر استعدادا للفوز. أما من يحولها إلى حالة دائمة من الغضب والاعتراض والتعطيل، فإنه يخسر مرتين، مرة في صندوق الاقتراع، ومرة في نظر المجتمع.
وفي النهاية، لا تبنى البلديات بالاغلبية وحدها، ولا تنهض المدن بجهد الرئيس وحده، بل بتكاتف جميع أعضاء المجلس، وبإيمانهم أن خدمة المواطن أكبر من أي خلاف، وأن المصلحة العامة يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.
فالفائز يحتاج إلى معارضة مسؤولة، والخاسر يحتاج إلى شجاعة المراجعة، والمواطن يحتاج إلى الجميع. وعندما يدرك الجميع هذه الحقيقة، تتحول الانتخابات من سبب للانقسام إلى بداية مرحلة جديدة عنوانها العمل المشترك، والاحترام المتبادل، وخدمة الوطن والمواطن.
—————————————————————————
ليس كل من خسر مهزوما، وليس كل من فاز منتصرا بالمعنى الحقيقي. فالهزيمة الحقيقية تبدأ عندما يرفض الانسان الاعتراف بالواقع، ويقضي وقته في البحث عن مبررات لخسارته، أو في محاولة تعطيل من نال ثقة الناس. عندها تتحول المنافسة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى معركة شخصية يدفع المواطن ثمنها
Wed 15 Jul 2026 9:51 am - Jerusalem Time





Share your opinion
أخلاقيات الخصومة ... عندما تكون المراجعة الطريق إلى الانتصار