شهدت الأسواق المالية في وول ستريت تحولاً ملحوظاً عقب صدور بيانات التضخم التي جاءت دون التوقعات، مما أدى إلى موجة صعود شملت الأسهم والسندات على حد سواء. وساهمت هذه الأرقام في تخفيف حدة القلق لدى المستثمرين بشأن احتمالية إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة في وقت قريب، خاصة مع استمرار الضغوط الجيوسياسية.
سجل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 مكاسب إضافية، بينما قفز مؤشر ناسداك 100 بنسبة 1% مدفوعاً بانتعاش أسهم شركات الرقائق الإلكترونية. ورغم هذا التفاؤل العام، عانى سهم شركة آي بي إم من هبوط حاد بنسبة 24% إثر فشل الشركة في تحقيق مستهدفات المبيعات المتوقعة، مما عكس تبايناً في أداء الشركات الكبرى.
في سوق السندات، تفوقت الخزانة الأمريكية قصيرة الأجل في الأداء مع تراجع الرهانات على رفع الفائدة في اجتماع يوليو الجاري. وانخفض عائد سندات العامين بمقدار 14 نقطة أساس، وهو ما اعتبره محللون أكبر انخفاض يومي منذ شهر أغسطس الماضي، مما يعكس إعادة تموضع سريعة للمستثمرين.
أظهرت بيانات وزارة العمل الأمريكية تراجعاً في أسعار المستهلكين خلال شهر يونيو للمرة الأولى منذ ست سنوات، مع استقرار في مقاييس التضخم الأساسية. ويرى خبراء أن هذه البيانات تمنح صانعي السياسة النقدية في الاحتياطي الفيدرالي متنفساً ضرورياً قبل اجتماعهم المرتقب لتقييم مسار الاقتصاد.
أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، خلال شهادته أمام المشرعين، التزام البنك المركزي الصارم بمكافحة التضخم وإعادته إلى مستوياته المستهدفة. وأوضح وورش أن اللجنة لن تتهاون مع بقاء الأسعار مرتفعة، مشدداً على أن الاستقرار السعري يظل الأولوية القصوى للبنك في المرحلة الراهنة.
من جانبها، أشارت مصادر اقتصادية إلى أن قراءة مؤشر أسعار المستهلكين تمثل ارتياحاً كبيراً للأسواق، لكنها لا تنهي الجدل حول التشديد النقدي مستقبلاً. ورغم استبعاد رفع الفائدة في يوليو، إلا أن مراقبة البيانات الواردة ستظل مستمرة للتأكد من تباطؤ التضخم خلال النصف الثاني من العام.
على صعيد القطاع المصرفي، حققت البنوك الأمريكية الكبرى أرباحاً قياسية خلال الربع الثاني، مستفيدة من تقلبات الأسواق وطفرة الذكاء الاصطناعي. وسجل بنك جيه بي مورغان إيرادات تاريخية من تداول الأسهم بلغت 6 مليارات دولار، متجاوزاً كافة التوقعات السابقة للمحللين.
أعضاء لجنتنا لا يتسامحون مع استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، ونحن ملتزمون بحزم بإعادة الاستقرار إلى الأسعار.
ولم يكن غولدمان ساكس بعيداً عن هذا المشهد، حيث حقق إيرادات بلغت 7.42 مليار دولار من أنشطة التداول، وهو رقم قياسي جديد على مستوى القطاع المصرفي. وتعكس هذه الأرقام قدرة المكاتب التجارية الكبرى على اقتناص الفرص في ظل إعادة تموضع المحافظ الاستثمارية العالمية.
ساهمت ثورة الذكاء الاصطناعي والنشاط القوي في أسواق رأس المال في تعزيز إيرادات البنوك الاستثمارية، خاصة مع الإدراج التاريخي لشركة سبيس إكس. وقد أدت هذه الصفقة الضخمة إلى رفع ثروة إيلون ماسك لتتجاوز حاجز التريليون دولار، مما عزز من معنويات المستثمرين في قطاع التكنولوجيا.
رغم هذه الأرباح، واجهت البنوك تحديات تتعلق بارتفاع المصروفات التشغيلية والحاجة للاستثمار في الكفاءات والتقنيات الحديثة. ورفع بنك أوف أميركا وجيه بي مورغان توقعاتهما للإنفاق السنوي، مع التركيز على دمج أدوات الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة العمليات وتقليل التكاليف طويلة الأمد.
في سوق الطاقة، عادت أسعار النفط للارتفاع مع تجدد التوترات في مضيق هرمز، حيث اقترب خام برنت من مستوى 84 دولاراً للبرميل. وتثير هذه القفزة في أسعار الوقود مخاوف من عودة الضغوط التضخمية، مما قد يضيق الهامش المتاح للاحتياطي الفيدرالي للإبقاء على الفائدة دون تغيير.
أفادت مصادر متابعة بأن التباطؤ غير المتوقع في التضخم دفع متداولي العقود الآجلة لتأجيل توقعاتهم لرفع الفائدة إلى شهري سبتمبر أو أكتوبر. ويأتي هذا التحول بعد فترة من التوقعات المتشددة التي كانت ترجح زيادة الفائدة في يوليو نتيجة الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران.
يرى محللون في غولدمان ساكس أن البيانات الهادئة تقلل الضغط الفوري، لكن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط يعني أن مخاطر التضخم لم تتلاشَ. وأوضحوا أن استمرار صدمات أسعار النفط قد يضطر البنوك المركزية العالمية إلى تشديد السياسة النقدية بشكل مفاجئ لمنع انفلات الأسعار.
ختاماً، يظل الاقتصاد الأمريكي يظهر علامات متضاربة بين قوة أداء البنوك والأسواق وبين تحذيرات شركات الاستهلاك مثل بيبسي من تراجع إنفاق الأفراد. ويبقى التفاؤل الحذر هو سيد الموقف في وول ستريت، بانتظار ما ستسفر عنه الاجتماعات القادمة للاحتياطي الفيدرالي وتطورات المشهد الجيوسياسي.





Share your opinion
بيانات التضخم الأمريكي تعيد صياغة التوقعات في وول ستريت وتمنح الفيدرالي فرصة للانتظار