Mon 06 Jul 2026 4:59 pm - Jerusalem Time

محمد القصبجي.. عبقري العود الذي أرسى دعائم الموسيقى العربية الحديثة

تحل ذكرى الموسيقار محمد القصبجي لتسلط الضوء على واحد من أهم أعمدة التجديد في الموسيقى العربية خلال القرن العشرين. لم يكن القصبجي مجرد عازف عود ماهر، بل كان المنظر الأول الذي وضع النهج الحديث للموسيقى الشرقية، متجاوزاً الأنماط التقليدية التي سادت عصره.

ولد القصبجي في قلب القاهرة عام 1892، ونشأ في بيئة دينية حيث كان والده منشداً ومقرئاً للقرآن الكريم. ورغم رغبة أسرته في توظيفه بمهنة حكومية بعد تخرجه من مدرسة المعلمين، إلا أن شغفه بالفن دفعه لاحتراف الموسيقى والتمرد على القوالب الجاهزة.

بدأ مسيرته الفنية في وقت كان الغناء التطريبي هو السائد، لكنه استطاع بذكائه الموسيقي أن يدمج بين الأصالة الشرقية والأساليب الغربية. وقد اعتبر النقاد أعماله فاصلاً حقيقياً بين موسيقى القرن التاسع عشر والقرن العشرين بفضل إجادته للتدوين العلمي.

يُنسب للقصبجي الفضل في إرساء دعائم 'المذهب التعبيري' في الألحان، حيث جعل الموسيقى مرآة تعكس معاني الكلمات ومشاعرها. ولم يعد اللحن مجرد وسيلة للطرب المجرد، بل أصبح بناءً درامياً متكاملاً يخدم النص الشعري بعمق.

شهدت آلة العود على يديه ثورة تقنية وهندسية غير مسبوقة، حيث عمل على تطوير أوتارها وتجويفها لزيادة قوة الصوت. كما أعاد إحياء العود ذي السبعة أوتار، مبتكراً تسويات موسيقية جديدة لا تزال تستخدم في المعاهد الموسيقية حتى يومنا هذا.

ارتبط اسم القصبجي ارتباطاً وثيقاً بكوكب الشرق أم كلثوم، حيث كان أول من آمن بموهبتها وشكل لها فرقتها الموسيقية الأولى عام 1927. وقد أثمر هذا التعاون عن روائع فنية مثل 'رق الحبيب' و'سهران لوحدي'، التي نقلت أم كلثوم إلى قمة الهرم الغنائي.

تعد أغنية 'إن كنت أسامح وانسى الأسية' نقطة تحول في تاريخ الأسطوانات العربية، حيث حققت مبيعات خيالية تجاوزت ربع مليون نسخة. وقد جسدت هذه الأغنية قالب 'المونولوغ' الذي طوره القصبجي ليتحرر من قيود القوافي الموسيقية الثابتة.

في عام 1947، شهدت العلاقة الفنية بين القصبجي وأم كلثوم تحولاً درامياً بتوقفه عن التلحين لها مع استمراره كعازف في فرقتها. ورغم مكانته كملحن عبقري، رضي القصبجي بالجلوس خلف 'الست' محتضناً عوده، في مشهد أثار تساؤلات النقاد لعقود.

تعددت التفسيرات حول هذا الانزواء الاختياري، فمنهم من أرجعه إلى فشل فيلم 'عايدة' تجارياً، ومنهم من رأى أن أم كلثوم فضلت ألحان السنباطي الأقل إجهاداً لصوتها. ومع ذلك، ظل القصبجي وفياً لمكانه خلفها، مؤثراً القرب من صوتها الذي عشقه.

لم يقتصر تأثير القصبجي على ألحانه الخاصة، بل امتد ليشمل جيلاً كاملاً من المبدعين الذين استلهموا من مدرسته. فقد اعترف رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب بفضل القصبجي كأستاذ مهد لهم الطريق نحو الحداثة الموسيقية.

وصف الباحثون أسلوب القصبجي في العزف بـ'الزخمجي'، وهي صفة تطلق على العازف الذي يتميز بقوة الضرب والتحكم المذهل في الريشة. وكان يمتلك قدرة فائقة على إخراج مقامات إضافية من العود، مما جعله يتصدر مشهد العزف المنفرد في العشرينيات.

رحل القصبجي في مارس 1966، تاركاً وراءه إرثاً يقدر بمئات الألحان التي لم يجمع الكثير منها حتى الآن. وقد تركت أم كلثوم مقعده خلفها فارغاً في حفلاتها التالية، في لمسة وفاء نادرة تعكس حجم الفراغ الذي خلفه رحيله.

يرى المتخصصون أن القصبجي تعرض لظلم فني ولم ينل التقدير الرسمي الذي يوازي عبقريته في حياته. ومع ذلك، يظل اسمه محفوراً كأحد أعظم المجددين الذين نقلوا الموسيقى العربية من المحلية الضيقة إلى آفاق التعبير العالمي.

إن الحفاظ على تراث القصبجي، بما في ذلك أعواده التي عدلها يدوياً وألحانه المفقودة، يمثل ضرورة لحماية الهوية الموسيقية العربية. فما قدمه هذا الفنان لم يكن مجرد أنغام، بل كان فلسفة متكاملة في التجديد والحفاظ على الجذور في آن واحد.

Tags

Share your opinion

محمد القصبجي.. عبقري العود الذي أرسى دعائم الموسيقى العربية الحديثة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.