Mon 06 Jul 2026 4:54 pm - Jerusalem Time

تاريخ جديد لعصر النهضة: كيف ساهم العرب والشرق في صياغة الحداثة الأوروبية؟

يطرح المؤرخ الألماني بيرند روك، أستاذ التاريخ بجامعة زيورخ، رؤية مغايرة في كتابه الضخم 'العالم عند أول ضوء: تاريخ جديد لعصر النهضة'، حيث يفكك المفهوم التقليدي للنهضة كحقبة أوروبية خالصة. الكتاب الذي صدرت ترجمته الإنجليزية مؤخراً في 1200 صفحة، يسعى لإثبات أن النهضة هي طور في رحلة الإنسان الطويلة التي بدأت منذ ما قبل التاريخ، وليست مجرد استثناء غربي.

يتساءل روك في أطروحته عما إذا كانت النهضة مشروعاً أوروبياً حصراً، أم أنها حلقة في سلسلة الحضارة الإنسانية العامة التي شاركت فيها أمم شتى. ويرى أن حصر النهضة في الجغرافيا الأوروبية يتجاهل الأدلة التاريخية التي تربط التقدم الغربي بمبتكرات واكتشافات قادمة من خارج القارة، خاصة من الشرق الأوسط وآسيا.

يعزو المؤلف ظهور النهضة في 'القسم اللاتيني من أوروبا' إلى ظروف جيوسياسية خاصة، أبرزها التنافس المحموم بين الدول الصغيرة والمدن المستقلة. هذا التنافس سمح بصعود الطبقة الوسطى وحفز تمويل العلماء والمخترعين، مما خلق بيئة خصبة للابتكار لم تكن متوفرة في الإمبراطوريات الكبرى المترهلة.

يشدد روك على أن القرب من العالم العربي كان شرطاً حاسماً، حيث حافظ العلماء العرب على التراث الإغريقي الذي قامت عليه النهضة لاحقاً. ويؤكد بوضوح أنه لولا الفكر الإغريقي الذي استعاده الأوروبيون عبر الترجمات العربية، لما وجدت الحداثة الأوروبية طريقاً للظهور والتطور.

يتناول الكتاب أيضاً البعد الديني، مشيراً إلى أن النهضة بدأت في إيطاليا رغم سطوة البابوية، لكنها نجحت في 'احتواء' الدين وتوجيه الاهتمام نحو 'الدنيا'. هذا التحول سمح بصعود العلوم الحديثة وفصل المسارات العلمية عن التفسيرات الميتافيزيقية التي كانت تهيمن على العصور الوسطى.

وفي مقارنة لافتة، يربط روك بين النجاح التكنولوجي والاقتصادي وبين طبيعة الأنظمة السياسية، معتبراً أن الدول الديمقراطية الليبرالية هي الأكثر قدرة على تشجيع الابتكار. ويرى أن هذا يفسر تفوق فلورنسا ومدن إيطاليا على قوى استبدادية أخرى في العالم كانت تمتلك موارد ضخمة لكنها تفتقر للحرية.

من جانبه، يلفت الناقد توم فيردي النظر إلى أن روك يتعقب جذور النهضة حتى منتصف الألفية السادسة قبل الميلاد، حين وصلت الزراعة والعجلة من الشرق الأوسط إلى أوروبا. هذه الرؤية تجعل النهضة أشبه بطائر الفينيق الذي ينهض من رماده بعد رحلة إعجازية عبر اليونان وبيزنطة والهند والعالم العربي.

ويشير الكتاب إلى عوامل جغرافية ومناخية ساعدت أوروبا، مثل شبكة الأنهار القابلة للملاحة وغياب الصحارى القاسية، مما يسر حركة التجارة وتنقل الأفكار. كما أن اعتدال المناخ في جنوب القارة وفر حياة يسيرة نسبياً سمحت بنشوء مراكز حضرية مستقلة ومهتمة بالتعليم والبحث.

خلافاً للاعتقاد الشائع، يوضح روك أن مسيحية القرون الوسطى لم تكن دائماً معارضة للتقدم، بل شجعت أحياناً مناخ الجدل المتأثر بالمحاورات الأفلاطونية. وقد لعب بلاط الإمبراطور شارلمان دوراً مبكراً في تقديس الكتب ونسخها، معتبراً إياها ثروة تفوق زراعة الأرض.

تعد المطبعة التي اخترعها يوهانس غوتنبرغ عام 1440 نقطة تحول كبرى، حيث يصفها الكتاب بأنها أول ثورة إعلامية في التاريخ. وقد استلهم غوتنبرغ تقنيات الحروف المتحركة التي انتقلت من الصين، لكنه طورها لتناسب الأبجدية اللاتينية، مما أدى لفيضان من الكتب والقراء.

هذا الانفجار المعرفي أدى لنتائج غير متوقعة، مثل زيادة الطلب على النظارات، مما طور صناعة العدسات التي استخدمها كوبرنيكوس وكيبلر لاحقاً في التلسكوبات. وهكذا، أدى تطور حرفي بسيط في ورش صناعة النظارات إلى ثورة كبرى في علم الفلك وفهم الكون.

على الجانب المظلم، لا يتجاهل الكتاب 'المجازر الجنونية' والحروب الدينية التي رافقت هذا العصر، بما في ذلك محاكمات الساحرات التي راح ضحيتها الآلاف. ففي الوقت الذي كان فيه الفلاسفة يحتفون بكرامة الإنسان، كانت الكنيسة تنشر أدلة مرعبة لصيد الساحرات، مما يكشف عن تناقضات العصر.

ينتقد بعض المراجعين الكتاب لضخامته التي قد تشتت القارئ، لكنهم يقرون بأنه يقدم 'موسوعة' يمكن القراءة فيها من أي فصل. ومع ذلك، يؤخذ على روك أحياناً عدم التركيز الكافي على جرائم الكولونيالية والإمبريالية كعامل أساسي في تفوق الغرب المادي.

في الختام، ينجح 'العالم عند أول ضوء' في إعادة تأطير عصر النهضة كعملية حيوية من الاكتشاف والهضم والسطو أحياناً على الملكية الفكرية للأمم الأخرى. إنه كتاب يثبت يقيناً أنه لا يمكن لثقافة أن تزدهر وتزهر دون تلاقح متبادل مع الثقافات المجاورة والسابقة لها.

Tags

Share your opinion

تاريخ جديد لعصر النهضة: كيف ساهم العرب والشرق في صياغة الحداثة الأوروبية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.