نجح المسلسل الدرامي 'ممكن' على مدار إحدى وعشرين حلقة في تحويل المشاهد من مجرد متلقٍ عاطفي إلى قاضٍ أخلاقي يراجع أحكامه المسبقة تجاه القضايا الشائكة. العمل الذي أخرجه أمين درة، لم يكتفِ بتقديم قصة حب تقليدية، بل جعلها بوابة للغوص في مناطق قتامة تختلط فيها السياسة بالجريمة والفساد الطبي باستغلال الأجساد.
تبدأ الحكاية من شخصية 'نور' التي تجسدها الفنانة نادين نسيب نجيم، وهي امرأة شابة من أسرة بسيطة تجد نفسها محاصرة بمسؤوليات ثقيلة تجاه والدها وشقيقاتها. بعد تعرضها لتعنيف جسدي من زوجها المدمن أدى لكسر في عمودها الفقري، تضطر نور للاقتراض لإجراء جراحة باهظة الثمن، مما يضعها تحت رحمة مستغلين يجبرونها على العمل في طريق محرم لتسديد ديونها.
يبرز المسلسل كيف يتحول الفقر إلى عامل مشترك يخضع النساء لسيطرة شخصيات نافذة، حيث يفتح العمل ملف الاستغلال الجسدي والاتجار بالبشر بجرأة كبيرة. وتستعرض الحلقات نماذج لفتيات يقعن ضحية لشبكات منظمة يديرها 'مازن'، الذي يستخدم التهديد بالأوراق المالية والفضائح لإبقاء ضحاياه داخل دائرته المظلمة.
في المقابل، يظهر عالم الأثرياء والسياسيين كوجه آخر للعملة، حيث يمثل الطبيب 'زياد' الذي يؤدي دوره ظافر العابدين، الجانب المضيء وسط عتمة الفساد. زياد هو ابن أحد أبرز النواب اللبنانيين، لكنه يعيش اغتراباً عن طبقته بسبب كرهه لزيف عائلته وتورطها في صفقات مشبوهة، مما يجعله يبحث عن الحقيقة في أماكن غير متوقعة.
تتقاطع طرق نور وزياد في لحظة ضعف إنسانية، حيث يعاني الطبيب من أزمة وجودية بعد وفاة طفلة أثناء جراحة أجراها، مما دفعه لإدمان الكحول هرباً من تأنيب الضمير. هذا اللقاء لم يكن مجرد بداية لقصة حب، بل كان مواجهة مباشرة بين مبادئ زياد المثالية والواقع المرير الذي تعيشه نور تحت وطأة الاستغلال.
قدمت نادين نجيم في هذا العمل واحداً من أنضج أدوارها، حيث تخلت عن الأنماط التقليدية للمرأة المقهورة لتجسد صراعاً نفسياً معقداً بين شخصيتها الحقيقية وهويتها المفروضة عليها. اعتمد أداؤها على الانفعالات الداخلية والصمت المؤثر، مما نقل للمشاهد حجم الألم الذي تعيشه امرأة تحاول استعادة كرامتها في مجتمع لا يرحم.
أما ظافر العابدين، فقد أجاد التعبير عن الانهيار الداخلي لرجل يكتشف تدريجياً أن المنظومة التي ينتمي إليها متورطة في غسل الأموال وحماية الفاسدين. لم يكن زياد مجرد منقذ لنور، بل كانت هي المرآة التي كشفت له هشاشة حياته وزيف المحيطين به، بما في ذلك أقرب الناس إليه من عائلته وأصدقائه.
المسلسل لا يدين الضحايا بل يدين النظام الذي يخلقهم ثم يحتقرهم، ولا يبرر السقوط لكنه يصر على فهم جذوره.
لم يغفل العمل عن بناء الشخصيات المساعدة بعمق درامي لافت، حيث قدمت زينة مكي دور الزوجة الخائنة التي تمثل 'العهر الداخلي' في الطبقات الراقية. هذا التباين أوضح أن الأخلاق والشرف لا يرتبطان بالطبقة الاجتماعية، بل هما خيارات فردية تتجلى في أصعب الظروف الإنسانية.
جسد ألان سعادة شخصية 'مازن' كرمز للفساد المنظم الذي يستغل العقد النفسية للانتقام من المجتمع عبر الاتجار بالنساء. بينما قدم الممثل رودريغ سليمان نموذجاً واقعياً للسياسي الذي يرتدي قناع النزاهة وأعمال الخير، بينما تخفي دفاتره صفقات ملوثة بدماء المرضى ومعاناة المهمشين.
تعتبر قضية تجارة الأدوية الفاسدة التي طرحها المسلسل من أقوى الخطوط الدرامية، حيث ربطت بين استغلال الجسد واستغلال المرض لتحقيق أرباح غير مشروعة. هذا المسار أكد فلسفة العمل بأن الفساد شبكة واحدة لا تتجزأ، وأن من يبيع الدواء المغشوش لا يتورع عن بيع كرامة الإنسان.
أثار المسلسل جدلاً حول نهايته التي منحت البطلة فرصة للتطهر والبدء من جديد، وهي نهاية قد يراها البعض مثالية مقارنة بواقع المجتمعات العربية. ومع ذلك، فإن الهدف لم يكن تقديم نهاية وردية، بل طرح تساؤل أخلاقي حول حق الإنسان في الغفران والقدرة على تجاوز الخطيئة المفروضة عليه قسراً.
تميز الإخراج بتقديم صورة بصرية تعكس التناقض بين عالمين؛ عالم الملاهي الليلية القاتم وعالم القصور الفاخرة الذي لا يقل عنه قتامة من الداخل. استخدم المخرج أمين درة الكاميرا كعدسة مكبرة تكشف قبح الفساد السياسي والاجتماعي خلف الستائر الحريرية والوجوه المبتسمة في المحافل العامة.
يصنف 'ممكن' كعمل سياسي بامتياز وإن ارتدى ثوب الميلودراما، فهو يوجه أصابع الاتهام مباشرة إلى أصحاب السلطة الذين يصنعون الفقر ويستثمرون في الأزمات. العمل يرفض إدانة الضحايا، ويصر على تسليط الضوء على النظام الذي يخلق الظروف المؤدية للسقوط ثم ينصب المشانق الأخلاقية لمن سقطوا.
في الختام، يظل المسلسل صرخة درامية في وجه الازدواجية المجتمعية، حيث نجح في إرباك حسابات المشاهدين وجعلهم يعيدون النظر في تعريفاتهم للخير والشر. إن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في قدرته على إثارة الأسئلة الصعبة بدلاً من تقديم إجابات جاهزة، مما يجعله علامة فارقة في الدراما العربية الحديثة.





Share your opinion
دراما 'ممكن'.. تشريح لطبقات الفساد وصراع الأخلاق في مواجهة الاستغلال