يعد الأدب الشعبي الإيراني مخزناً هائلاً للذاكرة الجمعية التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي مقارنة بنظيرتها العربية، رغم أن الإيرانيين كانوا من أوائل من دونوا القصص وحكوها تاريخياً. ويبرز كتاب 'دمية حجر الصبر' للباحث الراحل أبي القاسم إنجوي الشيرازي كواحد من أضخم المشاريع التوثيقية التي حاولت إنقاذ هذا التراث من الضياع، مشابهاً في أسلوبه وخياله روائع 'ألف ليلة وليلة'.
الكتاب الذي صدرت ترجمته العربية مؤخراً عن المركز القومي للترجمة بتوقيع الباحثة هبة فتحي بخيت، يضم مجموعة واسعة من الحكايات التي جمعها الشيرازي وقدمها إذاعياً منذ مطلع الستينيات. ويمثل هذا العمل جزءاً من مشروع معرفي عملاق يتألف من 11 مجلداً، استهدف رصد الأمثال والقصص والعادات والتقاليد التي شكلت وجدان الشعب الإيراني عبر العصور.
تحمل 'دمية حجر الصبر' دلالة رمزية عميقة، حيث تعبر عن صفة الصبر التي اتخذها الإيرانيون درعاً لمواجهة ويلات الحروب والاستبداد والطائفية على مدار 25 قرناً. وتكشف الحكايات الـ27 التي يتضمنها الكتاب، برواياتها المتعددة، عن كيفية لجوء العامة إلى الخيال الشعبي لتفريغ همومهم وصياغة مواقفهم من السلطة والمجتمع.
ما يميز هذا العمل التوثيقي هو الدقة في رصد الرواة، حيث ذكر الشيرازي اسم كل راوٍ وعمره وحرفته ومحل إقامته، مما يمنح الحكايات صبغة أنثروبولوجية واقعية. وتتنوع الروايات بين أسطر قليلة وصفحات مطولة، لكنها تشترك جميعاً في كونها نتاجاً خالصاً للطبقات الكادحة التي تداولتها شفاهياً بعيداً عن الرقابة الرسمية.
تعكس الحكايات لجوء الإنسان البسيط إلى السخرية والتهكم كوسيلة للترويح عن النفس ومقاومة الظروف القاسية، مستخدمة لغة تمزج بين الفصحى والعامية. ويلاحظ خبراء الأدب أن أبطال هذه القصص هم غالباً من الرعاة والحطابين وصغار التجار، الذين يظهرون في مواقف ذكية يلقنون فيها الوزراء والأمراء دروساً في الحكمة والعدل.
قصصنا ناشئة إما عن طبيعة الاستبداد، وإما عن الطبيعة التي يخلقها الاستبداد.
يشير الباحثون إلى أن هذه القصص نشأت في رحم المعاناة من الاستبداد الحكومي والطائفي الذي امتد لقرون طويلة في التاريخ الإيراني. فالإبداع الشعبي هنا ليس مجرد ترف، بل هو انعكاس للطبيعة التي يخلقها القمع، حيث تصبح الحكاية وسيلة لإثبات الوجود وتمرير القيم الأخلاقية والسياسية البديلة.
تعد سلسلة 'أرشيف الأدب الشعبي' التي أشرف عليها الشيرازي من أوائل المحاولات الميدانية لجمع الحكايات من أفواه الرواة في القرى والمدن النائية. وقد نُشر هذا الجهد باللغة الفارسية في عام 1977، في سباق مع الزمن لتوثيق الموروث قبل أن تكتسحه مفردات العصر الحديث أو تشوهه التحولات الاجتماعية المتسارعة.
يقدم الكتاب صورة واقعية ومغايرة لحياة النساء في البيئات الشعبية خلال العهود السابقة، وهي تفاصيل يندر العثور عليها في المصادر التاريخية الرسمية. ومن خلال عناوين مثل 'الشيخ وعزرائيل' و'حجر الصبر'، تتجلى ملامح التربية القديمة التي كانت تحث الفتيات على الصبر والتحمل في مواجهة قسوة العيش وظلم المجتمع.
تتحدث إحدى الروايات عن طقس 'حجر الصبر'، حيث تبوح النساء بمكنون صدورهن لحجر صامت عندما تضيق بهن السبل، في استعارة بليغة لغياب العدالة الاجتماعية. وتؤكد هذه القصص أن اللجوء إلى الجمادات أو الآبار للشكوى كان ملاذاً أخيراً لشعب لم يجد من يستمع لآلامه في ظل أنظمة استبدادية متعاقبة.
أبو القاسم إنجوي الشيرازي، صاحب هذا المنجز، لم يكن مجرد باحث بل كان مناضلاً سياسياً عانى من الاعتقال والنفي قبل أن يكرس حياته للثقافة. ومن خلال برنامجه الإذاعي 'سفينة ثقافة الشعب'، نجح في تحويل ملايين الإيرانيين إلى جامعين للتراث، مما أسفر عن تأسيس 'مركز ثقافة الشعب' الذي حفظ هوية الأمة من الاندثار.





Share your opinion
دمية حجر الصبر: حصاد 25 قرناً من مواجهة الاستبداد في التراث الشعبي الإيراني