شهدت الساحة الدولية حراكاً دبلوماسياً لافتاً تمثل في إجراء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالاً هاتفياً مطولاً مع نظيره الأمريكي دونالد ترمب، استغرق نحو ساعة و25 دقيقة. وجاء هذا التواصل بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، حيث ركز الزعيمان على ملفات شائكة تصدرتها الأزمة الأوكرانية والوضع في الشرق الأوسط.
وأوضح الكرملين أن المباحثات تناولت بشكل معمق آفاق التوصل إلى تسوية سياسية في أوكرانيا، خاصة مع اقتراب موعد قمة حلف شمال الأطلسي 'الناتو' المقررة في تركيا. وأشار مساعد الرئيس الروسي للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف، إلى أن بوتين استعرض مع ترمب الرؤية الروسية للواقع الميداني الحالي وتطورات الجبهات.
من جانبه، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن تفاصيل محادثة مماثلة أجراها مع ترمب، واصفاً إياها بالبناءة والمهمة لمستقبل بلاده. وأكد زيلينسكي عبر منصة 'إكس' أن النقاش تمحور حول الوضع الراهن على خطوط المواجهة والجهود الدبلوماسية المطلوبة لكسر حالة الجمود العسكري.
وشدد الرئيس الأوكراني على أن هناك فرصة واقعية لإنهاء النزاع المسلح إذا ما توفر العزم الأمريكي اللازم لدعم مسار السلام. واتفق الطرفان على استكمال هذه المباحثات الحيوية خلال اللقاءات المرتقبة على هامش قمة الناتو التي ستستضيفها العاصمة التركية أنقرة الأسبوع الجاري.
وفي سياق متصل، وجهت وزارة الخارجية الروسية انتقادات حادة للدول الأوروبية، معتبرة إياها طرفاً عاجزاً عن تقديم أي مبادرات أو أفكار بناءة لتسوية النزاع. وترى موسكو أن العواصم الأوروبية تكتفي باتباع السياسات التصعيدية دون النظر في الجذور الحقيقية للأزمة التي تعصف بالقارة.
ميدانياً، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن نجاح منظومات دفاعها الجوي في التصدي لهجوم واسع النطاق بالطائرات المسيرة خلال الساعات الماضية. وأكدت المصادر العسكرية إسقاط 389 مسيرة أوكرانية استهدفت مقاطعات في جنوب غربي البلاد، في واحدة من أكبر موجات الهجمات الجوية مؤخراً.
وعلى صعيد الجبهة الشرقية، يدور لغط كبير حول مدينة كوستيانتينيفكا الاستراتيجية في إقليم دونباس، حيث أعلن الكرملين سيطرة قواته الكاملة عليها. وتعتبر موسكو هذه المدينة معقلاً محصناً يفتح الطريق نحو السيطرة على آخر المراكز الحضرية الكبرى التي لا تزال تحت قبضة القوات الأوكرانية.
هناك احتمال حقيقي لإنهاء هذه الحرب، وعزم الولايات المتحدة سيكون حاسماً في هذا المسار.
في المقابل، سارعت كييف إلى نفي الرواية الروسية، مؤكدة أن قواتها المسلحة لا تزال تحتفظ بمواقعها داخل المدينة وتخوض معارك ضارية للدفاع عنها. وأوضحت مصادر عسكرية أوكرانية أن القتال لم يحسم بعد، وأن القوات الروسية تعاني من خسائر فادحة في محاولات التقدم المستمرة.
وفي شبه جزيرة القرم، أفادت سلطات محلية بمقتل شخص وإصابة اثنين آخرين جراء هجوم أوكراني استهدف المناطق الشمالية من الجزيرة. وتأتي هذه الضربة في إطار سلسلة من الهجمات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة ومنشآت الوقود التي تعتمد عليها القوات الروسية في المنطقة.
وتعاني شبه جزيرة القرم من نقص حاد في إمدادات الكهرباء والوقود منذ أواخر يونيو الماضي، مما دفع السلطات الروسية لفرض حالة الطوارئ. وتتعمد القوات الأوكرانية استهداف شاحنات نقل الوقود ومحطات التوليد لتعطيل الآلة العسكرية الروسية وشل حركة الإمدادات اللوجستية.
دبلوماسياً، لا تزال الفجوة واسعة بين مطالب الطرفين، حيث تصر موسكو على انسحاب أوكرانيا الكامل من منطقة دونيتسك كشرط مسبق لأي مفاوضات جادة. هذا الشرط ترفضه كييف جملة وتفصيلاً، معتبرة إياه تنازلاً عن السيادة الوطنية لا يمكن القبول به تحت وطأة السلاح.
وتتجه الأنظار الآن إلى أنقرة، حيث من المتوقع وصول وفود من 32 دولة للمشاركة في قمة الناتو يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين. وسيكون حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترمب محورياً في تحديد مسار الدعم العسكري المستقبلي لأوكرانيا أو الضغط باتجاه طاولة المفاوضات.
ويرى مراقبون أن دخول ترمب على خط الأزمة بشكل مباشر قد يغير قواعد اللعبة، نظراً لعلاقته المعقدة مع كل من موسكو وكييف. وتأمل الأطراف الدولية أن تسفر لقاءات أنقرة عن خرق في جدار الأزمة المسدود منذ أشهر طويلة بسبب توازن القوى الميداني.
ختاماً، يبقى الميدان هو الحكم في ظل استمرار حرب المسيرات التي أعاقت تقدم المركبات الثقيلة لكلا الجانبين وحولته إلى حرب استنزاف. ومع استمرار سقوط الضحايا من المدنيين والعسكريين، تظل الآمال معلقة على ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تحركات سياسية في أروقة الناتو.





Share your opinion
تحركات دبلوماسية مكثفة: بوتين وزيلينسكي يبحثان مع ترمب آفاق إنهاء حرب أوكرانيا