Mon 06 Jul 2026 4:49 pm - Jerusalem Time

سينما المدينة: كيف تعيد الشاشة الكبيرة صياغة الذاكرة الجماعية؟

يمنح الاهتمام السينمائي بالمدن العريقة مثل القاهرة وبيروت والقدس وباريس ونيويورك الصورة الجمالية أبعاداً خاصة تتجاوز الحدود الجغرافية. إذ ينتقل المخرج في هذه الحالة من التعامل مع المدينة بوصفها مجرد إطار مكاني، لتصبح فضاءً حيوياً لإنتاج الذاكرة الجماعية وإعادة صياغة التاريخ.

وإذا تتبعنا المسار الجمالي لعلاقة الفن السابع بالمدينة، نجد أن مدناً مثل نيويورك وباريس حظيت بنصيب وافر من الاهتمام الذي جعل المشاهد يعثر على أفلام تبدو وكأنها تأريخ بصري للمدن. ومع ذلك، لم تفقد هذه المدن قداستها تجاه الحاضر، بل ظل فعل الحكي السينمائي يجعل التاريخ حاضراً ومستمراً في ذهنية المتلقي.

تتفوق السينما على الفنون البصرية الأخرى مثل الفوتوغرافيا واللوحة في قدرتها على تخييل المدينة بفضل شعبيتها وأنماطها البصرية المتعددة. فالصورة السينمائية تبلور في المشهد الواحد عشرات الحقائق، وتمنح المدينة حضوراً فيزيقياً مدهشاً يسمح بالتوغل في الواقع وتشريحه وإبراز نتوءاته العميقة.

لقد نجحت السينما في تجاوز محنة تصوير الواقع الجامد، وهو ما ظهر جلياً في أفلام الموجة الجديدة بفرنسا التي صورت المدينة بكل ما تحمله من أفراح وأحزان. ومع مخرجين مثل فرنسوا تروفو وجون لوك غودار، أصبحت المدينة فضاءً حقيقياً لميلاد الحكاية وكائناً حياً يتغير عبر الزمان والمكان.

سعت الموجة الجديدة إلى تحطيم القوالب التقليدية التي كرستها المؤسسات الهوليوودية، والتي غالباً ما أنتجت كليشيهات فنية ميكانيكية داخل الكادر الأمريكي. وبدلاً من ذلك، جرى التعامل مع المدينة كواقع متحول باستخدام وسائل تصوير خفيفة وفلسفة تقوم على التقشف والعفوية الصارمة في التقاط التفاصيل.

هذا التوجه نحو الفضاء المديني كمختبر للأسئلة الوجودية لم يقتصر على السينما الفرنسية، بل امتد تأثيره بقوة إلى السينما العربية. وظهر ذلك بوضوح في سينما الحرب الأهلية اللبنانية، حيث قدم مخرجون مثل جوسلين صعب وجان شمعون المدن وهي تنزف دماً، بعيداً عن التكلف الجمالي الزائف.

لقد تحولت أفلام رندة الشهال ومارون بغدادي وبرهان علوية إلى وثائق بصرية تقبض على حقيقة الدمار والخراب الذي عاشته بيروت. وبذلك، لم يعد الانتقال من الواقعي إلى السينمائي يسبب ارتباكاً جمالياً، بل أصبحت الصورة وسيلة لتوثيق مظاهر التهجير والتحولات الاجتماعية القاسية.

في السينما العالمية، يبرز فيلم 'مانهاتن' لوودي آلن كنموذج للمدينة التي تعمل كمسرح للحكايات الرومانسية بالأبيض والأسود. ورغم أن الصور قد تبدو وكأنها تبتلع المدينة، إلا أن وجه نيويورك الشاعري ينكشف ليعكس روح الشخصيات ومشاعرها الغامضة تجاه بعضها البعض.

على النقيض من ذلك، قدم مارتن سكورسيزي في فيلم 'تاكسي درايفر' صورة مغايرة تماماً لنيويورك، حيث تبدو المدينة مرآة لواقع متصدع ومضطرب. ويظل هذا الفيلم بعد نصف قرن مرجعاً نقدياً هاماً لرصد العلاقة المتوترة بين الفرد والمدينة القاسية التي تفتقر للعلاقات الإنسانية السوية.

تتكرس جماليات المدينة في السينما أيضاً من خلال ذاتية المخرج، حيث يصور كل مبدع مدينته بناءً على ما تمثله في ذاكرته الفردية. فالأفلام الناجحة هي التي تستكنه الجوهر الجمالي والذاكرة التاريخية للمكان، حتى لو اعتبر بعض المخرجين المدينة مجرد إكسسوار ثانوي في البداية.

وفي السياق الفلسطيني، نجحت أفلام حديثة مثل 'فرحة' لدارين سلام و'فلسطين 36' لآن ماري جاسر في إعادة إنتاج الذاكرة الوطنية. واستطاعت الكاميرا التوغل في سيرة المدن الفلسطينية وتفكيك مفهوم الذاكرة بطريقة جعلت التاريخ السينمائي يغذي الهوية الفلسطينية ويحميها من النسيان.

إن فعل إنتاج الذاكرة يظل تحدياً كبيراً، حيث تدخل عوامل المتخيل والواقع في صراع دائم داخل الكادر السينمائي. وسواء كانت السينما روائية أو وثائقية، فإن الهدف النهائي يظل نقل المشاهد من مدينته الحقيقية إلى مدن مجازية متخيلة تعيد اكتشاف المسارب المنسية في الوجدان الإنساني.

Tags

Share your opinion

سينما المدينة: كيف تعيد الشاشة الكبيرة صياغة الذاكرة الجماعية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.