Mon 06 Jul 2026 4:46 pm - Jerusalem Time

أزمة ثقة عميقة: لماذا يبتعد جيل العراق الجديد عن العمل الحزبي؟

تشهد مدينة الصدر شرق العاصمة بغداد حالة من الإحباط المتزايد بين صفوف الخريجين الشباب، حيث يعبر مصطفى، الذي يعمل سائق توصيل رغم شهادته الجامعية، عن رؤية جيله للسياسة بوصفها صراعاً محصوراً على المناصب والمكاسب الشخصية. ويرى هؤلاء الشباب أن الوجوه السياسية تتغير باستمرار دون أن يطرأ أي تحسن ملموس على ملفات حيوية كالكهرباء والبطالة والفساد المستشري.

وفي مقاهي بغداد الشعبية، يسيطر السكون والسخرية على ملامح الشباب عند الحديث عن الانتماء الحزبي، حيث يصف علي، وهو خريج كلية الإدارة والاقتصاد، العلاقة مع الأحزاب بأنها موسمية بامتياز. إذ يعتقد الكثيرون أن القوى السياسية لا تستحضر دور الشباب إلا كوقود للمعارك الانتخابية، ثم سرعان ما يتم تهميشهم بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.

هذا المزاج العام يختصر واقع جيل ولد وسط الحروب ونشأ في مرحلة ما بعد عام 2003، ليشهد وعوداً إصلاحية لم تتحقق وأزمات متلاحقة أدت إلى اتساع فجوة الثقة. ورغم أن الشباب يشكلون الكتلة البشرية الأكبر في المجتمع العراقي، إلا أن تمثيلهم داخل الهياكل الحزبية يظل صورياً ولا يعكس ثقلهم الديموغرافي أو طموحاتهم الحقيقية.

وتشير القراءات الميدانية إلى أن العزوف السياسي ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو نتاج تراكمات اجتماعية واقتصادية طويلة أدت إلى انكفاء الشباب عن المجال العام. ففي المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية، أصبح الحديث عن فرص العمل والخدمات الأساسية يتقدم على أي نقاش حول البرامج السياسية أو التحالفات الحزبية المعقدة.

وفي محافظة البصرة الغنية بالنفط، يبدو الإحباط أكثر وضوحاً، حيث يؤكد الشاب حسين أن النقاشات في المجالس الشبابية لم تعد تدور حول التغيير السياسي بل حول سبل الهجرة والبحث عن حياة كريمة في الخارج. فقد فقدت شريحة واسعة الإيمان بقدرة الأدوات السياسية التقليدية على انتشال المحافظة من واقعها الخدمي المتردي رغم ثرواتها الضخمة.

ويرى متخصصون في الشأن الاجتماعي أن الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدها العراق في الأعوام الأخيرة كانت نقطة تحول جوهرية في تشكيل وعي الجيل الجديد. فقد خلقت تلك الأحداث رغبة عارمة في الاستقلالية السياسية بعيداً عن الاصطفافات الحزبية القديمة التي يُنظر إليها كجزء أصيل من المشكلة وليست سبيلاً للحل.

لقد ساهم الفضاء الرقمي في تعزيز هذا التوجه، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى برلمانات بديلة يناقش فيها الشباب قضاياهم بحرية وسرعة بعيداً عن القيود التنظيمية. وأصبح المؤثرون الرقميون يمتلكون قدرة على تحريك الرأي العام الشبابي تفوق بكثير ما تمتلكه المكاتب السياسية للأحزاب التقليدية التي لا تزال تخاطب الجمهور بلغة خشبية.

ويشير الباحثون إلى أن الشاب العراقي اليوم يقارن واقعه المحلي بالتجارب العالمية عبر هاتفه المحمول، مما جعله أكثر تشككاً في الخطابات السياسية التي تعتمد الشعارات الرنانة. هذا الوعي المتسارع خلق فجوة معرفية واتصالية بين القيادات السياسية التقليدية وبين جيل يطالب بحلول تقنية وعملية لأزمات السكن والتعليم والوظائف.

وفي مدينة الموصل، يعبر الطلاب الجامعيون عن شعورهم بالاغتراب تجاه الطبقة السياسية التي تتحدث لغة لا تشبه تطلعاتهم ولا تلامس همومهم اليومية. فالمناصب القيادية داخل الأحزاب لا تزال حكراً على الحرس القديم، مما يدفع الكفاءات الشابة إلى الانسحاب التلقائي من أي نشاط تنظيمي لا يمنحهم مساحة حقيقية للتأثير.

العامل الاقتصادي يلعب دوراً محورياً في هذا العزوف، حيث تحولت السياسة إلى 'ترف' لا يملكه من يبحث عن قوت يومه في ظل ارتفاع معدلات البطالة. وفي محافظات مثل الأنبار، يركز الشباب على بناء مشاريع صغيرة أو العمل الحر عبر الإنترنت، معتبرين أن النجاح الفردي هو السبيل الوحيد للنجاة في بيئة سياسية غير مستقرة.

تؤكد تقارير اقتصادية أن الضغوط المعيشية غيرت أولويات الجيل الجديد، حيث لم يعد الانتماء الحزبي يضمن مستقبلاً مهنياً كما كان في السابق. هذا التحول دفع الكثيرين إلى استثمار طاقاتهم في تطوير مهارات رقمية تمكنهم من العمل مع جهات دولية أو الانخراط في الاقتصاد الحر بعيداً عن هيمنة المحاصصة الحزبية.

ظاهرة الهجرة المتصاعدة تعد دليلاً إضافياً على اليأس السياسي، حيث يرى شباب من مختلف المحافظات أن المستقبل خارج الحدود أكثر وضوحاً وأماناً. وبالنسبة لكرار، الذي غادر بابل نحو أوروبا، فإن الهجرة كانت موقفاً نفسياً وهروباً من واقع سياسي مسدود الأفق، حيث يبحث المهاجرون عن بداية جديدة بعيداً عن خيبات الأمل المتكررة.

ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا العزوف لا يعني انعدام الاهتمام بالشأن العام، بل هو تغيير في أدوات التعبير والتفاعل. فالشباب العراقي لا يزال فاعلاً عبر المبادرات التطوعية والحملات الرقمية والنشاط الثقافي، وهي مسارات تمنحهم حرية أكبر وتجنبهم الاستقطابات الحادة التي تميز العمل الحزبي التقليدي.

ختاماً، تواجه الأحزاب العراقية اختباراً مصيرياً لاستعادة ثقة هذا الجيل عبر تغييرات جذرية تبدأ بتجديد الخطاب وفتح مراكز القرار أمام الطاقات الشابة. إن العلاقة بين الشباب والسياسة في العراق تمر بمرحلة انتقالية حرجة، ستحدد ملامحها قدرة النظام السياسي على تقديم حلول واقعية للأزمات الاقتصادية والخدمية بعيداً عن الوعود الانتخابية المتكررة.

Tags

Share your opinion

أزمة ثقة عميقة: لماذا يبتعد جيل العراق الجديد عن العمل الحزبي؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.