Mon 06 Jul 2026 4:46 pm - Jerusalem Time

شمس السودان بديل إجباري: الحرب تدمر قطاع الكهرباء وتدفع الملايين نحو الطاقة المتجددة

يواجه قطاع الكهرباء في السودان تحديات وجودية منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023، حيث تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن حجم الخسائر المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية للقطاع تجاوزت حاجز 3 مليارات دولار. هذا الدمار طال محطات التوليد الرئيسية وخطوط النقل وشبكات التوزيع، مما أدى إلى شلل شبه كامل في العديد من الولايات السودانية التي باتت تعيش في ظلام دامس لفترات طويلة.

ومع دخول الحرب عامها الرابع، كشفت البيانات الميدانية عن فقدان البلاد لنحو 40 في المئة من طاقة التوليد الكلية خلال عام 2025، وهو ما انعكس سلباً على معدلات الإمداد الكهربائي التي تراجعت بنسب تتراوح بين 45 و60 في المئة. هذا الواقع المرير أجبر السكان والمؤسسات على البحث عن بدائل عاجلة ومستدامة، لتبرز الطاقة الشمسية كمنقذ وحيد في ظل أزمة الوقود الخانقة وتوقف المحطات الحرارية.

ويؤكد خبراء في أنظمة الطاقة أن الطلب على الألواح الشمسية سجل مستويات قياسية، خاصة في المناطق التي عاد إليها النازحون واشترطوا توفر الحد الأدنى من الخدمات للعيش. ولم يعد الاعتماد على الشمس مقتصرًا على الإنارة المنزلية البسيطة، بل امتد ليشمل تشغيل الآبار الارتوازية في القطاع الزراعي الذي بات يعتمد كلياً على هذه التقنية لضمان استمرار الإنتاج الغذائي.

في القطاع الصحي، ساهم التحول نحو الطاقة المتجددة في إنقاذ حياة الآلاف، حيث جرى تحويل نحو 110 منشآت طبية للعمل بالأنظمة الشمسية. وقد أتاح هذا التحول حفظ اللقاحات الحساسة وتشغيل غرف العمليات والأجهزة الطبية في مناطق نائية كانت تعاني من انقطاع مستمر للتيار الكهربائي، مما خفف من وطأة الكارثة الإنسانية الناتجة عن الحرب.

وتشير المصادر إلى أن المنظومة الشمسية المنزلية المتوسطة تتكون عادة من محول بقدرة 3 كيلوواط وأربعة إلى ستة ألواح، وهو ما يكفي لتشغيل الاحتياجات الأساسية مثل الثلاجات والإضاءة. ورغم أن التكلفة التأسيسية لهذه الأنظمة تعتبر مرتفعة مقارنة بالدخل المحدود للمواطن السوداني، إلا أن انعدام التكاليف التشغيلية يجعلها الخيار الأوفر على المدى الطويل مقارنة بالمولدات التي تستهلك وقوداً باهظ الثمن.

وبلغة الأرقام، يصل سعر اللوح الشمسي بقدرة 500 واط إلى نحو 999 دولاراً، بينما تتجاوز تكلفة المحولات والبطاريات مئات الدولارات، مما يضع عبئاً مالياً كبيراً على الأسر. ومع ذلك، فإن استمرار تدهور العملة المحلية وتقلبات سعر الصرف جعلت من امتلاك نظام طاقة شمسية نوعاً من الاستثمار في الأمن المعيشي والقدرة على الصمود في وجه تداعيات الحرب المستمرة.

من الناحية الجغرافية، يمتلك السودان إمكانات هائلة تجعله من بين الدول الأكثر تأهلاً لاستغلال الطاقة الشمسية في أفريقيا، حيث يتجاوز متوسط الإشعاع السنوي 2400 كيلوواط ساعة لكل متر مربع. هذه الميزة الطبيعية كانت مهملة في السابق، حيث لم تكن الطاقة المتجددة تشكل سوى 1 في المئة من مزيج الطاقة الوطني الذي كان يعتمد بنسبة 60 في المئة على التوليد الكهرومائي.

ويرى عاملون في قطاع الكهرباء أن الحرب سرعت من عملية التحول الطاقي التي كانت تحتاج لسنوات من التخطيط، حيث بات المواطنون يبحثون عن حلول خارج الشبكة القومية. وقد أدى هذا التوجه إلى زيادة ملحوظة في واردات المعدات الشمسية، بالتوازي مع تراجع الاعتماد على المولدات الحرارية التي أصبحت عبئاً بسبب ندرة الوقود وارتفاع أسعار صيانته.

ورغم الفوائد الكبيرة، يحذر متخصصون من مخاطر التركيبات العشوائية وغير الآمنة للألواح الشمسية، خاصة مع اقتراب فصول الخريف التي تشهد رياحاً عاتية وزوابع رعدية. إن عدم تثبيت الألواح بإشراف فني متخصص قد يحولها إلى أجسام طائرة خطرة تهدد حياة المارة وتؤدي إلى تلف المحولات والأنظمة الكهربائية الحساسة نتيجة الصواعق أو الأمطار الغزيرة.

وفي سياق الدعم الدولي، لعب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي دوراً محورياً عبر تركيب نحو 300 نظام شمسي للاستخدامات المتعددة، مما ساهم في خفض تكاليف الوقود بنسبة 70 في المئة في بعض المشاريع. هذا الدعم يهدف إلى تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع غياب الخدمات الحكومية وتوفير بيئة صالحة لاستمرار النشاط الاقتصادي والزراعي في الولايات المتضررة.

ويشير مستوردون إلى أن السوق السودانية تعاني من تفاوت كبير في جودة المنتجات المعروضة، حيث تزدحم الأسواق بأصناف تتراوح بين الاقتصادية وعالية الجودة. ويؤكد هؤلاء أن غياب الرقابة الفنية الصارمة في ظل ظروف الحرب قد يؤدي إلى دخول منتجات ذات عمر تشغيلي قصير، مما قد يتسبب في خسائر مالية إضافية للمواطنين الذين استثمروا مدخراتهم في هذه الأنظمة.

إن التحول القسري نحو الطاقة الشمسية في السودان يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل قطاع الكهرباء بعد انتهاء الحرب، وهل ستعود الشبكة القومية لمكانتها السابقة؟ المؤشرات الحالية تدل على أن الثقافة الطاقية في البلاد قد تغيرت بشكل جذري، وأن اللامركزية في توليد الكهرباء أصبحت واقعاً يفرضه الميدان، مما قد يمهد لرؤية وطنية جديدة تعتمد على الشمس كمصدر رئيسي.

وتظل معضلة التمويل هي العائق الأكبر أمام التوسع الشامل في استخدام الطاقة النظيفة، خاصة في القطاع الصناعي الذي يتطلب أحمالاً عالية وتكلفة تأسيسية ضخمة. ومع ذلك، فإن النجاحات التي تحققت في القطاعين الزراعي والصحي تعطي أملاً في إمكانية تجاوز عقبات الحرب وبناء نظام طاقة أكثر مرونة واستدامة في المستقبل القريب.

ختاماً، يظل السودانيون يرقبون سماءهم ليس فقط طلباً للمطر، بل لاستمداد الضوء والحياة من شمس لا تغيب، في معركة بقاء فرضتها ظروف الحرب القاسية. إن قصة 'الصداقة الإجبارية' مع الطاقة الشمسية هي تجسيد لقدرة الإنسان السوداني على الابتكار والتكيف مع أقسى الظروف، محولاً الأزمة إلى فرصة لإعادة صياغة مستقبله الطاقي بعيداً عن مركزية الدولة المنهكة.

Tags

Share your opinion

شمس السودان بديل إجباري: الحرب تدمر قطاع الكهرباء وتدفع الملايين نحو الطاقة المتجددة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.