أعاد الهجوم الأميركي - الإسرائيلي الأخير على الأراضي الإيرانية إحياء النزعة القومية لدى النخبة العسكرية والسياسية الفارسية، التي استماتت في الدفاع عن وحدة البلاد. وقد تجلى هذا الاندفاع في محاولة حماية البنية التحتية ومنع تفكك الدولة، وسط انخراط قطاعات شعبية متنوعة في الدفاع عن الوطن لاعتبارات دينية وطائفية مشتركة.
يحتل المكون الفارسي مكانة محورية في صياغة المشهد السياسي والثقافي الإيراني، مما يمنحه القدرة على توجيه الأحداث التاريخية بما يخدم رؤيته للمصالح الوطنية. ويأتي هذا التفرد رغم التعددية الإثنية الواسعة في المجتمع الإيراني، حيث تشير التقديرات إلى أن القوميات غير الفارسية تمثل ما بين 50 إلى 60 في المئة من إجمالي السكان.
تستند الرؤية الفارسية للدولة إلى إرث تاريخي يمتد لأكثر من 2500 عام، بدءاً من العصور الأخمينية والساسانية وصولاً إلى العصر الحديث. ويرى أصحاب هذا التوجه أن اللغة الفارسية ظلت العنصر المهيمن والموحد للدولة حتى في فترات حكم السلالات ذات الأصول التركية مثل السلاجقة والصفويين والقاجاريين.
خلال العهد القاجاري، بدأت الثقافة الفارسية تترسخ كأداة للحكم بتشجيع من القوى الأوروبية، وخاصة بريطانيا، التي دعمت التوجهات المعادية للمحيط العربي والتركي. وقد أدى عدم رفع مكانة اللغات الأخرى مثل التركية الأذرية إلى مستوى الرسمية إلى تعميق الفجوات القومية بعد الثورة الدستورية في مطلع القرن العشرين.
بالمقارنة مع النموذج الأفغاني، نجد أن كابل نجحت في اعتماد لغتين رسميتين (البشتوية والدارية) مما هيأ الأرضية للاعتراف بلغات قومية أخرى في التعليم والإعلام. أما في إيران، فقد ظلت الفارسية هي اللغة الوحيدة للمجال الرسمي والإداري، مما عزز من هيمنة مكون واحد على حساب التنوع العرقي الواسع.
لعب الفرس الدور القيادي في كافة التحولات الكبرى التي شهدتها إيران الحديثة، من حركة تأميم النفط إلى قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. وبغض النظر عن التوجهات الأيديولوجية، سواء كانت إسلامية أو ملكية أو قومية، فقد ظل المكون الفارسي هو الحارس الفعلي لبنية الدولة القومية والمنتصر في صراعات السلطة.
رغم التضحيات الكبيرة التي قدمتها القوميات غير الفارسية، إلا أنها لم تنجح في إحداث تغيير جذري في موازين القوى الثقافية أو السياسية. ويربط باحثون إخفاق حركات احتجاجية كبرى، مثل الحركة الخضراء عام 2009، بعدم انخراط أقاليم محورية مثل أذربيجان بشكل كامل في تلك التظاهرات.
أي تغيير جوهري في إيران لن يتحقق ما لم يقتنع به الفرس ويشاركوا فيه، في ظل سيطرتهم على مفاصل الدولة والمعارضة.
في المقابل، سجل الأتراك الأذريون حضوراً سياسياً بارزاً في انتخابات 2024 عبر دعمهم الواسع لمسعود بزشكيان، الذي وصل إلى الرئاسة بدعم من التيار الإصلاحي. وقد أثار هذا الفوز حالة من التفاؤل النسبي بين القوميات التي تطالب بتمثيل أكبر يعبر عن هويتها اللغوية والثقافية داخل مؤسسات الدولة.
كشفت المواجهة العسكرية الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل عن انسجام وطني لافت بين التيارات الفارسية بمختلف أطيافها السياسية. وباستثناء التيار الملكي الذي تراجعت شعبيته، وقفت القوى اليسارية والقومية والإسلامية في خندق واحد لمواجهة ما وصفوه بالعدوان الخارجي الذي هدد كيان الدولة.
أفادت تقارير ميدانية بأن التحصينات الدفاعية الإيرانية، وخاصة قواعد الصواريخ والمسيرات المخبأة في أعماق الجبال بمحافظة يزد، لعبت دوراً حاسماً في الصمود العسكري. ويرى مراقبون أن هذا 'المكر' الدفاعي اقترن بحالة تلاحم شعبي منعت انهيار النظام رغم شدة الضربات الجوية والضغوط الدولية.
على الجانب الآخر، ظهر تباين واضح في الموقف الكردي، حيث أشارت تقارير إلى وجود تنسيق بين منظمات كردية إيرانية والإدارة الأميركية خلال فترة النزاع. كما رُصدت زيارات لقيادات كردية إلى إسرائيل، مما يعكس عمق الانقسام في الولاءات الوطنية بين المكونات القومية المختلفة في لحظات الأزمات.
يواجه الإيرانيون اليوم واقعاً سياسياً معقداً بعد مصادقة إدارة ترمب على اتفاق من 14 بنداً، يرى محللون أنه قد يمنح النظام فرصة لالتقاط الأنفاس. هذا التطور دفع القوى المطالبة بالتغيير إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها، والتركيز على بناء حركة جماهيرية تعتمد على العصيان المدني والخبرات النضالية المتراكمة.
تظل معضلة الديمقراطية في إيران مرتبطة بمدى استعداد المكون الفارسي للتخلي عن احتكار السلطة والاعتراف بحقوق القوميات الأخرى. فالهيمنة الفارسية لا تقتصر على مؤسسات الحكم فحسب، بل تمتد لتشمل اللوبيات الفاعلة في الخارج ووسائل الإعلام المؤثرة التي تصيغ الرأي العام.
يبقى الامل معلقاً على قدرة الشعوب الإيرانية على صياغة خريطة طريق مشتركة تتجاوز الاستبداد وتؤسس لنظام لامركزي عادل. إن تحقيق الحرية المنشودة يتطلب تقارباً حقيقياً بين كافة القوميات، ينهي عقوداً من التهميش ويؤسس لدولة مواطنة تحترم التعددية اللغوية والثقافية لجميع مكوناتها.





Share your opinion
النزعة القومية الفارسية ومستقبل الدولة الإيرانية في ظل المواجهة مع واشنطن وتل أبيب