تخطو الجزائر خطوات مدروسة نحو إحداث نقلة نوعية في قطاع التعدين من خلال تبني مفهوم 'المناجم الذكية' أو ما يعرف بالتعدين الأخضر. وقد تجسد هذا التوجه مؤخراً في المباحثات التي أجراها وزير المناجم والصناعات المنجمية، مراد حنيفي، مع وفد من الخبراء الصينيين المتخصصين في الحلول التكنولوجية المتقدمة.
تهدف هذه الرؤية الجديدة إلى إدماج تقنيات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي في عمليات الاستكشاف والتحليل الجيولوجي. وتسعى الحكومة من خلال هذه الخطوة إلى مواجهة التحديات البيئية والعملياتية التي تواجه القطاع، مع ضمان تحقيق أقصى استفادة من الموارد الطبيعية الهائلة التي تزخر بها البلاد.
ويعتمد نموذج التعدين الذكي على جمع البيانات اللحظية عبر أجهزة استشعار متطورة وأنظمة متصلة ببعضها البعض. وتساهم هذه التقنيات في تعزيز الكفاءة التسييرية واتخاذ قرارات دقيقة مبنية على التحليلات المتقدمة، مما يقلل من هامش الخطأ البشري والمخاطر الميدانية التي يتعرض لها العمال.
وقد ركزت المحادثات الجزائرية الصينية على وضع خوارزميات ذكاء اصطناعي مخصصة لرفع دقة عمليات المسح الميداني. كما تم الاتفاق على ضرورة تقليل الهدر في مسارات الاستغلال المنجمي الشاملة، مع التركيز المكثف على تكوين المهندسين والإطارات المحلية لضمان التحكم الكامل في هذه الآليات الحديثة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن التوجه نحو الرقمنة لم يعد خياراً ثانوياً بل ضرورة حتمية تفرضها متطلبات السوق العالمية. فمع تزايد الطلب على المواد الخام مثل الليثيوم والسيليكون، تصبح التكنولوجيا هي المفتاح الوحيد لتحسين كفاءة الاستخراج وتقليل التكاليف الباهظة المرتبطة بالطرق التقليدية.
وعلى الرغم من الطموحات الكبيرة، تواجه الجزائر تحديات تقنية تتعلق بالبنية التحتية للاتصالات والأمن السيبراني. وأشارت مصادر مطلعة إلى أن استقرار تدفق الإنترنت وتأمين البيانات يمثلان ركيزتين أساسيتين لنجاح مشروع التحول الرقمي في قطاع المناجم، وهو ما تعمل الدولة على معالجته حالياً.
التحول الرقمي في قطاع التعدين ليس مجرد توجه مستقبلي، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق التميز والتفوق في مختلف مراحل العملية التعدينية.
وفي إطار التنفيذ العملي، اتفق الجانبان الجزائري والصيني على تشكيل فريق عمل تقني مختلط للبدء في دراسات الجدوى. وسيتولى هذا الفريق تنفيذ مشاريع نموذجية في حقول منجمية استراتيجية مختارة، لتقييم النتائج قبل تعميم التجربة على كافة المواقع المنجمية في البلاد.
وتعول الجزائر على خمسة مشاريع كبرى لتحقيق قفزة في اقتصادها الوطني، حيث لم تكن نسبة استغلال الثروات المعدنية تتجاوز 10% سابقاً. وتتنوع هذه المشاريع بين خام الحديد والفوسفات والزنك والرصاص، وصولاً إلى الذهب والألماس في مناطق مختلفة من الصحراء الجزائرية.
ويبرز منجم 'غار جبيلات' كأحد أضخم المشاريع العالمية باحتياطي يصل إلى 3.5 مليار طن من الحديد. ويمثل هذا المنجم ركيزة أساسية في استراتيجية التعدين الجديدة، حيث تبلغ كمية الخام القابلة للاستغلال المباشر فيه نحو 1.75 مليار طن، مما يجعله محط أنظار الاستثمارات الدولية.
أما في قطاع الفوسفات، فيعد منجم 'جبل عنق' العمود الفقري للمشاريع المدمجة باحتياطي يقدر بـ 2.8 مليار طن. وفي الوقت ذاته، يبرز منجم 'تالا حمزة' كواحد من أهم عشرة مناجم للزنك في العالم، باحتياطي يقدر بـ 34 مليون طن، مما يعزز مكانة الجزائر في السوق الدولية للمعادن.
وفيما يخص المعادن النفيسة، يتصدر منجم 'أمسمسا' قائمة إنتاج الذهب في البلاد باحتياطات تبلغ 3.38 مليون طن. هذا الرقم وضع المنجم في مراتب متقدمة إفريقياً وعربياً، بينما تترقب الأوساط الاقتصادية دخول منجم 'جبل رقان' للألماس حيز الاستغلال الفعلي ليكون إضافة واعدة للثروة الوطنية.
إن التحول نحو التعدين الذكي يظل محكوماً بضغوط الاستدامة البيئية والالتزامات الدولية لتقليل الانبعاثات الكربونية. ومن خلال دمج 'إنترنت الأشياء' في العمليات اليومية، تأمل الجزائر في بناء قطاع منجمي منافس عالمياً يحقق التوازن بين الربحية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.





Share your opinion
الجزائر تطلق استراتيجية 'التعدين الذكي' لتعظيم استغلال ثرواتها المنجمية