تتجذر في الوجدان العربي ثقافة راسخة تمجد تملك العقار وتعتبره الخيار الاستثماري الأمثل، حيث يميل الفرد العربي إلى الشعور بالأمان النفسي داخل جدران يمتلكها بالكامل. هذا التوجه يتناقض بشكل صارخ مع العقلية الأجنبية التي تفضل الاستئجار للحفاظ على حرية الحركة والارتباط بمواقع العمل المتغيرة، مما يجعل التملك بالنسبة لهم قيداً مالياً وجغرافياً.
لم تنجح الأزمات الاقتصادية المتلاحقة ولا تذبذب أسواق المال في ثني الكثيرين عن ضخ مدخراتهم في قطاع العقارات، بل زادت من قناعتهم بأنه الملاذ الآمن الوحيد. ويرى متخصصون أن هذا السلوك ليس مجرد قرار مالي، بل هو موروث ثقافي يصف العقار بأنه 'الابن البار' الذي يحفظ قيمة الأموال ويحمي الأسر من غدر الزمان.
يوضح الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي أن شغف العربي بشراء المنازل ينبع من رغبة عميقة في الاستقرار النفسي والهروب من صدمات المستقبل المجهول. فالعقار يمنح صاحبه إحساساً بالسيادة والقدرة على نقل الثروة للأبناء بشكل ملموس، بعيداً عن تعقيدات الأوراق المالية أو الاستثمارات غير المحسوسة.
تتداخل العوامل الاجتماعية مع الاقتصادية في هذا السياق، حيث يُنظر لامتلاك العقار كرمز للوجاهة والتباهي بالقدرة المالية والنفوذ، خاصة في المدن الجديدة والمشاريع الساحلية. كما تلعب الرغبة في تعزيز الروابط الأسرية دوراً كبيراً، إذ يفضل العرب التملك لجمع شمل العائلة والأحفاد في مكان واحد يضمن لهم الخصوصية والاستمرارية.
في المجتمعات العربية، لا يزال امتلاك منزل يمثل شرطاً أساسياً لقبول الشاب كزوج، حيث يُنظر للمستأجر على أنه شخص غير مستقر مالياً أو يفتقر للأمان المعيشي. وقد ساهمت الدراما العربية عبر عقود في تعزيز هذه النظرة، من خلال تصوير المالك في صورة المقتدر والمستقر، بينما يظهر المستأجر دائماً تحت تهديد الطرد أو رفع الإيجار.
من الناحية السيكولوجية، تؤكد الدكتورة سوسن الفايد أن العقلية العربية تميل بطبعها إلى تجنب المخاطرة في أنشطة استثمارية قد تؤدي لفقدان رأس المال. فالعقار يظل محتفظاً بقوته الوجدانية وتأثيره النفسي، كونه أصلاً ثابتاً لا يختفي بانهيار البورصات أو تغير السياسات النقدية المفاجئة، مما يجعله 'منتهى الأمان'.
يشير الخبراء الاقتصاديون إلى أن الشخصية العربية لديها 'ولع' بامتلاك الأصول الملموسة مثل الطوب والأسمنت، لأنها الأقل عرضة للخسارة في حسابات الربح والمخاطرة. وبالمقارنة مع المستثمر الأجنبي الذي قد يوجه أمواله نحو المصانع والشركات الإنتاجية، يفضل العربي الوعاء الادخاري الذي ينمو ببطء ولكن بثبات.
العقار في الوجدان العربي مثل الابن البار، لا يخذل صاحبه أبداً ويظل سنداً وفياً في أوقات الشدة والتقلبات.
تؤكد التقارير الدولية أن العقارات تظل أكبر مخزن للثروة في العالم، حيث تجاوزت قيمتها الإجمالية 379 تريليون دولار، متفوقة على أسواق الأسهم والسندات مجتمعة. وفي منطقة الشرق الأوسط، تشير التوقعات إلى نمو متسارع للسوق العقاري ليصل إلى نحو 849 مليار دولار بحلول عام 2034، مدفوعاً بهذا الطلب الثقافي المستمر.
يعتبر الأثرياء العرب العقار وسيلة فعالة لإخفاء قيمة مدخراتهم وحمايتها من تقلبات السوق، حيث لا تظهر القيمة الحقيقية للأصل إلا لحظة البيع. كما يوفر العقار ميزة 'التسييل' عند الحاجة، مع إمكانية الحصول على قيمة مضافة سريعة، وهو ما يجعله يتفوق أحياناً على الذهب الذي يتطلب فترات انتظار أطول لتحقيق الربح.
تختلف دوافع الشراء بين الفرد العادي والثري؛ فالأول يبحث عن تلبية احتياج أساسي للسكن والقرب من العمل وتأمين مستقبل أبنائه في شقق سكنية بسيطة. أما الأثرياء، فيعتمدون استراتيجيات أوسع تشمل الاستثمار في العقارات الفندقية والوحدات الساحلية بهدف إعادة تأجيرها وتحقيق عوائد دولارية أو مضاعفة سعرها مستقبلاً.
يرى المستشار أسامة سعد الدين أن العربي يشعر بـ 'الأريحية' فقط في مكان يمتلكه، حيث يرفض فكرة الخضوع لسيطرة مالك آخر قد يغير شروط العقد في أي لحظة. هذا الشعور بالاستقلال المادي والمعنوي هو المحرك الرئيس خلف الطفرة العمرانية التي تشهدها العديد من الدول العربية والمشاريع القومية الكبرى.
يلجأ الكثير من المغتربين العرب إلى استثمار 'تحويشة العمر' في شراء عقارات ببلدانهم الأصلية أو دول دراسة أبنائهم، كنوع من تأمين المستقبل المعيشي. وغالباً ما يتم بيع هذه الوحدات بعد انتهاء الغرض منها، مثل تخرج الأبناء، للاستفادة من فارق السعر الذي عادة ما يكون مرتفعاً نتيجة التضخم المستمر.
تؤكد البيانات الحديثة أن العقار يمثل قاسماً مشتركاً بين أغنى أثرياء العرب، حيث تشكل المحافظ العقارية والأراضي ركيزة أساسية في استراتيجياتهم لتعظيم الثروة. وقد أظهرت قائمة فوربس لعام 2026 أن الارتفاع الملحوظ في ثروات المليارديرات العرب كان مرتبطاً بشكل وثيق بانتعاش القطاعات العقارية في المنطقة.
في الختام، يظل العقار في الثقافة العربية أكثر من مجرد استثمار مالي؛ إنه صمام أمان اجتماعي ونفسي يعكس الرغبة في البقاء والاستقرار. ومع استمرار التحولات الاقتصادية العالمية، يبدو أن 'هوس' التملك سيظل السمة الغالبة على السوق العربية، مدعوماً بموروثات ترى في الجدران حماية من عثرات الدنيا وتقلبات الدهر.





Share your opinion
العقار 'الابن البار'.. لماذا يقدس العرب تملك المنازل ويرفضون الاستئجار؟