لم يعد مترو الأنفاق في القاهرة مجرد وسيلة انتقال سريعة تربط أحياء العاصمة، بل تحولت محطاته وعرباته في الآونة الأخيرة إلى منصات فنية وثقافية نابضة بالحياة. تأتي هذه الخطوة ضمن مشروع طموح تنفذه وزارتا الثقافة والنقل، يهدف إلى كسر العزلة بين الفنون والجمهور العريض عبر تقديم محتوى إبداعي في الفضاءات العامة التي يرتادها المواطنون يومياً.
تتنوع الفعاليات المقدمة بين جنبات المحطات لتشمل معارض للفنون التشكيلية وعروضاً حية للموسيقى، بالإضافة إلى استحضار ملامح أصيلة من التراث الشعبي المصري. وقد برزت عروض الأراجوز والسيرة الهلالية وفنون السمسمية كعناصر جذب أساسية، وهي فنون مسجلة عالمياً ضمن قوائم التراث غير المادي لمنظمة اليونيسكو، مما يمنح الرحلة اليومية بعداً معرفياً وتاريخياً.
تستند هذه المبادرة إلى إحصائيات الهيئة القومية للأنفاق التي تشير إلى أن عدد مستخدمي المترو يتجاوز مليوني راكب يومياً في الخطوط الثلاثة. هذا التدفق البشري الهائل وفر فرصة ذهبية للمؤسسات الثقافية لنشر الوعي الفني والوصول إلى فئات مجتمعية قد لا تتاح لها فرصة زيارة المتاحف أو دور الأوبرا بشكل منتظم.
من أبرز الأنشطة التي شهدها 'الخط الأخضر' مؤخراً، معرض 'المختار من روح مختار' الذي احتفى بذكرى رحيل المثال المصري العالمي محمود مختار. المعرض الذي نُظم بالتعاون مع مبادرة 'رسم مصر'، سعى إلى جعل الفن جزءاً من النسيج اليومي للمواطن، بعيداً عن النخبوية التي قد تتسم بها قاعات العرض المغلقة.
أفادت مصادر بأن الفعاليات لم تقتصر على العروض البصرية، بل شملت فقرات عزف موسيقي وورش عمل فنية تفاعلية لاقت إقبالاً كبيراً من الركاب. وأكد القائمون على هذه الأنشطة أن الهدف هو تحويل المترو إلى ممر ثقافي يربط بين مختلف الأحياء، مع مراعاة انسيابية حركة الركاب وعدم التأثير على كفاءة التشغيل.
شاركت في هذه التظاهرة الثقافية جهات رسمية متعددة، من بينها الهيئة العامة لقصور الثقافة وأكاديمية الفنون، حيث قدم كورال المعهد العالي للموسيقى عروضاً متميزة. كما كان لذوي الهمم حضور لافت في هذه الفعاليات، في إطار جهود الدولة لتعزيز قيم الدمج المجتمعي وتسليط الضوء على المواهب الفنية لهذه الفئة.
الخروج بالفنون إلى الفضاءات العامة يحقق العدالة الثقافية بوصول الإبداع إلى كل قطاعات الجماهير على اختلافها.
ولم تغب المحافظات المصرية عن المشهد، حيث استضاف المترو فرقاً فنية جاءت خصيصاً لتقديم تراثها لرواد العاصمة، مثل أوركسترا 'الأنامل الصغيرة' من بورسعيد. كما قدمت فرق السيرة الهلالية من صعيد مصر وعروض السمسمية من مدن القناة لوحات فنية جسدت التنوع الثقافي والجغرافي للدولة المصرية.
المركز القومي لثقافة الطفل كان له نصيب وافر من المشاركة، حيث قدم عروضاً مخصصة للصغار شملت مسرح العرائس والأراجوز. وأشار مسؤولون في المركز إلى أهمية التفاعل المباشر مع الأطفال في أماكن تجمعاتهم، مما يساهم في بناء جيل يتذوق الفنون ويقدر قيمة التراث الوطني منذ الصغر.
امتد الأثر الثقافي ليشمل الشاشات الداخلية لعربات المترو، التي تحولت إلى شاشات عرض ذكية تقدم محتوىً تثقيفياً متنوعاً. تضمنت هذه العروض لوحات لكبار الفنانين التشكيليين، وصوراً لعلماء ومبدعين مصريين حائزين على جوائز الدولة التقديرية، بالإضافة إلى فيديوهات تعريفية عن رموز الأدب مثل نجيب محفوظ وعبد الرحمن الأبنودي.
أثبتت هذه التجربة نجاحها في الترويج للمنتجات الثقافية الرقمية، حيث سجل تطبيق 'كتاب' المجاني زيادة في التحميل بنسبة 8% عقب الترويج له عبر شاشات المترو. هذا المؤشر يعكس قدرة الوسائط العامة على توجيه الجمهور نحو القراءة والاطلاع وتسهيل الوصول إلى المعرفة بطرق عصرية ومبتكرة.
وفي سياق الاحتفاء بالفعاليات القومية الكبرى، استضافت محطة 'صفاء حجازي' بالزمالك معرضاً دولياً للكاريكاتير تزامناً مع افتتاح المتحف المصري الكبير. شارك في المعرض فنانون من 35 دولة، قدموا أكثر من 50 عملاً فنياً تعبر عن احتفاء العالم بهذا الحدث الأثري العالمي، مما أتاح لطلاب الفنون والجمهور مشاهدة مدارس فنية عالمية.
ختاماً، يرى فنانون ومثقفون أن استمرار هذه العروض يمثل مكسباً كبيراً للحركة الثقافية في مصر، حيث تساهم في تغيير النظرة التقليدية للفنون. إن الخروج من القاعات المغلقة إلى رحاب المترو يحقق فوائد متبادلة، إذ يمنح الفنان مساحة انتشار واسعة، ويمنح الجمهور لحظات من الجمال والإبداع وسط ضجيج الحياة اليومية.





Share your opinion
مترو القاهرة يتحول إلى ممر ثقافي: فنون التراث والتشكيل تكسر روتين مليوني راكب يومياً