عادت مدينة صور اللبنانية لتتصدر واجهة الأحداث الميدانية، ليس فقط كمركز ثقل في الجنوب، بل كواحدة من أكثر المدن تعرضاً للغارات الإسرائيلية العنيفة. المشاهد القادمة من المدينة تظهر أعمدة الدخان وهي تعانق الآثار الفينيقية والرومانية، مما يثير مخاوف دولية حول مصير هذا الإرث الإنساني العالمي. وتواجه المدينة اليوم تحدياً جديداً يضاف إلى سجلها الطويل من الصمود أمام الغزاة والمحاصرين عبر العصور.
تواصل إسرائيل توجيه إنذارات الإخلاء التي شملت أحياء واسعة في صور، مما أدى إلى نزوح جماعي للسكان الذين كانوا يقطنون هذه المدينة الساحلية. ولم تقتصر الأضرار على المباني السكنية الحديثة، بل امتدت لتطاول المواقع الأثرية الموغلة في القدم. وأفادت مصادر ميدانية بأن الغارات الأخيرة تسببت في أضرار مباشرة في منشآت تاريخية وتطاير للشظايا أصاب تيجان أعمدة أثرية ومساحات من الموزاييك النادر.
وفي محاولة لتحييد المعالم التاريخية عن الصراع، منحت منظمة اليونيسكو أكثر من 70 موقعاً تراثياً في لبنان، من بينها صور، شعار 'الحماية المعززة'. ويعد هذا النظام بروتوكولاً دولياً يهدف لضمان أعلى درجات الحماية للممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة. ومع ذلك، تشير التقارير الواردة من مديرية الآثار إلى أن هذه الحماية لم تمنع وقوع أضرار مادية جسيمة نتيجة الاهتزازات العنيفة والقصف المجاور.
تعتبر صور من أقدم المدن المأهولة في العالم، حيث يعود تاريخ تأسيسها إلى نحو 5000 عام على يد الفينيقيين. وقد لعبت المدينة دوراً محورياً في التجارة البحرية العالمية، ومن مرافئها انطلقت السفن حاملة الأبجدية والأرجوان إلى سواحل المتوسط. هذا العمق التاريخي جعل منها مطمعاً للإمبراطوريات المتعاقبة، من الآشوريين والبابليين وصولاً إلى الإسكندر المقدوني الذي حاصرها لأشهر.
جغرافياً، تقع المدينة على شبه جزيرة تبلغ مساحتها قرابة 6.75 كيلومتر مربع، وتحيط بها مياه المتوسط من ثلاث جهات. وقبل اندلاع الحرب الأخيرة، كانت المدينة تعج بالحياة والنشاط السياحي والتجاري، إضافة إلى كونها مركزاً لقوات 'اليونيفيل' الدولية. اليوم، تحولت هذه الشوارع المكتظة إلى مناطق شبه مهجورة تحت وطأة التهديد العسكري المستمر والقصف الذي لا يفرق بين حجر قديم وبنيان حديث.
تضم صور كنوزاً أثرية لا تقدر بثمن، من بينها ميدان سباق العربات الروماني الذي يعد الثاني كبراً في العالم القديم. كما كشفت الحفريات التي بدأت في منتصف القرن الماضي عن 'مدينة الأموات' وطرق معبدة بالموزاييك تعود للعصور الرومانية والبيزنطية. هذه المعالم تمثل ذاكرة حية لحضارات تعاقبت على الأرض اللبنانية، وهي اليوم مهددة بالاندثار بسبب استخدام ذخائر متطورة ذات قدرات تدميرية هائلة.
يؤكد خبراء الآثار أن الانفجارات العنيفة تسبب اهتزازات في التربة تؤدي إلى تصدع المباني الأثرية الهشة بطبيعتها. وقد طاول الدمار في الأيام الأخيرة مباني الإدارة التاريخية التابعة للمديرية العامة للآثار، بما في ذلك منشآت تعود للحقبة الانتدابية. ويحذر المسؤولون من أن استمرار هذا النهج العسكري سيؤدي إلى محو طبقات من التاريخ الإنساني الذي صمد لآلاف السنين.
إن أي قصف يطاول زوايا مدينة صور سيؤدي حتماً إلى خسارة لا تعوض في النسيج التاريخي لواحدة من أقدم مدن العالم.
اشتهرت صور قديماً بصناعة الأرجوان المستخرج من أصداف الموريكس، وهو الصباغ الذي كان حكراً على الملوك والأباطرة. كما تميزت بصناعة الزجاج الشفاف والنسيج، مما جعلها مركزاً تجارياً دولياً يربط الشرق بالغرب. هذا الازدهار الاقتصادي القديم انعكس على فخامة أبنيتها التي وصفها الجغرافيون القدامى بأنها كانت تعلو مباني مدينة روما في تلك الحقبة.
يرى مؤرخون أن استهداف المدن التاريخية في الجنوب اللبناني يحمل في طياته محاولة لتدمير الذاكرة الشعبية والوطنية. فمدينة صور ليست مجرد حجارة صماء، بل هي رمز للهوية الكنعانية والفينيقية التي شكلت وعي المنطقة. إن تدمير الأحياء القديمة مثل 'حي الرمل' يمثل ضربة للنسيج الاجتماعي الذي حافظ على استمرارية الحياة في المدينة رغم كل الحروب السابقة.
في العصر الحديث، عانت صور من اجتياحات متكررة، لا سيما في أعوام 1978 و1982 و2006، حيث تعرض ميناؤها وأحياؤها لدمار واسع. ومع ذلك، يصف المراقبون الحرب الحالية بأنها الأكثر خطورة بسبب دقة الاستهداف وحجم القوة النارية المستخدمة. وتكافح وزارة الثقافة اللبنانية حالياً عبر القنوات الدولية للضغط من أجل احترام اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية.
تشير الوثائق التاريخية إلى أن صور كانت تتألف من جزأين، أحدهما بري والآخر جزيرة صخرية، قبل أن يصل الإسكندر المقدوني بينهما بردم بحري. هذا التكوين الفريد جعل منها حصناً منيعاً استعصى على الكثير من الجيوش عبر التاريخ. واليوم، تجد المدينة نفسها محاصرة مرة أخرى، ليس بالأسوار والمنجنيقات، بل بالطائرات والصواريخ الحديثة التي تهدد هويتها المعمارية.
تعتبر 'بوابة النصر' أو قوس النصر في صور من أبرز المعالم التي بنيت تكريماً للإمبراطور هادريان في القرن الثاني الميلادي. ويخشى المختصون أن تنهار هذه البوابة التاريخية نتيجة الغارات القريبة، مما سيعني فقدان معلم بارز من معالم ولاية الشرق القديمة. إن الحفاظ على هذه الآثار يتطلب جهداً دولياً يتجاوز مجرد الإدانات اللفظية، خاصة مع دخول المواقع ضمن دائرة الاستهداف المباشر.
تعتمد صور في اقتصادها الحديث على الصيد البحري والسياحة والتجارة، وهي قطاعات شُلت بالكامل نتيجة العدوان. ويعيش مئات الصيادين حالة من البطالة القسرية بعد منعهم من ارتياد البحر، فيما أغلقت الأسواق التاريخية أبوابها. هذا الحصار الاقتصادي يكمل مشهد التدمير المادي، مما يضع المدينة أمام كارثة إنسانية وتراثية مزدوجة تتطلب تدخلاً عاجلاً.
ختاماً، تبقى صور شاهدة على صراع البقاء بين إرادة الحياة وجبروت القوة العسكرية التي تحاول إعادة صياغة الجغرافيا على حساب التاريخ. إن الصمود الذي أبدته المدينة أمام حصار السبعة أشهر في العصور القديمة يتجدد اليوم في تمسك أهلها بهويتها. ويبقى السؤال معلقاً حول قدرة المجتمع الدولي على حماية ما تبقى من إرث الفينيقيين في وجه آلة الحرب التي لا تستثني حتى المواقع المدرجة على لائحة التراث العالمي.





Share your opinion
صور اللبنانية: حواضر التاريخ تحت نيران الغارات الإسرائيلية