Mon 06 Jul 2026 4:40 pm - Jerusalem Time

النموذج المغربي يعيد صياغة تاريخ الكرة الأفريقية برؤية 2030

يعكف المنتخب المغربي حالياً على ترسيخ مكانته كقوة كروية عالمية لا يستهان بها، من خلال مشروع رياضي متجدد يجمع بين صقل المواهب والحفاظ على الهوية الوطنية. هذا الطموح لا يتوقف عند حدود الإنجازات السابقة، بل يمتد لكتابة فصل تاريخي جديد يعزز حلم التتويج بكأس العالم، خاصة مع اقتراب موعد استضافة نسخة 2030 على الأراضي المغربية.

لقد وضع المدرب السابق وليد الركراكي ملامح هذا المستقبل عندما قاد «أسود الأطلس» إلى نصف نهائي مونديال قطر 2022، كأول منتخب أفريقي وعربي يحقق هذا الإنجاز. ورغم كونه مدرباً واقعياً من الناحية التكتيكية، إلا أنه كان حالماً في تصريحاته التي ركزت على زرع الثقة في نفوس الأجيال القادمة وقدرتهم على مجاراة كبار اللعبة.

وعندما اختتم المغرب مشاركته في النسخة الماضية محتلاً المركز الرابع، أكد الركراكي أن الهدف هو بناء «حمض نووي كروي» يتم توريثه تدريجياً. وأشار إلى أن التجربة المغربية أثبتت للعالم أجمع أن المنتخبات الأفريقية لم تعد مجرد ضيف شرف، بل هي قادرة على المنافسة الحقيقية والوصول إلى منصات التتويج.

في ذلك الوقت، اعتقد البعض أن المسيرة المغربية المميزة كانت مجرد استثناء عابر أو ضربة حظ، خاصة بعد تجاوز قوى عظمى مثل إسبانيا والبرتغال. إلا أن الاستمرارية التي يظهرها المنتخب اليوم في المنافسات الدولية تؤكد أن ما حدث في قطر كان نتاج تخطيط عميق وليس وليد الصدفة.

اليوم، يجد المنتخب المغربي نفسه في مواجهة قمة كروية أمام نظيره الهولندي، حيث يحتل المنتخبان مراكز متقدمة في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). هذه المواجهة تعد اختباراً حقيقياً لمدى تطور الفريق وقدرته على الحفاظ على نسق تنافسي عالٍ يمتد عبر نسخ متعددة من بطولات كأس العالم.

وتتجلى القوة الصاعدة للمغرب ليس فقط داخل المستطيل الأخضر، بل في ثقله السياسي والرياضي دولياً، وهو ما يظهر في ملف استضافة مونديال 2030. فبعد أن كانت المحاولات المغربية السابقة تُعامل بنوع من الهامشية، بات المغرب اليوم يطمح وبقوة لاستضافة المباراة النهائية للبطولة العالمية.

شهدت التشكيلة المغربية عملية إحلال وتجديد واسعة منحت الفريق زخماً جديداً وروحاً شابة تختلف عن تجارب المنتخبات الأفريقية السابقة. فبينما عانت منتخبات مثل الكاميرون وغانا من تراجع حاد بعد إنجازاتها، اختار المغرب تغيير الأسماء والدفع بدماء جديدة لضمان الاستمرارية في القمة.

ورغم رحيل الركراكي عن منصبه، إلا أن الاتحاد المغربي عين المدرب محمد وهبي، المعروف بميله للكرة الهجومية، لمواصلة المسيرة. وقد نجح الفريق تحت قيادته في تقديم أداء لافت ومجاراة منتخبات كبرى مثل البرازيل، مما يعكس تطوراً في العقلية التكتيكية المغربية.

تفكك الفريق الذي قاده الركراكي تدريجياً، حيث غابت أسماء رنانة كانت هي الركيزة الأساسية في ملحمة قطر 2022. فلم يعد حكيم زياش وسفيان بوفال جزءاً من القائمة الحالية، كما اعتزل القائد رومان سايس اللعب الدولي، مما فتح الباب أمام جيل جديد لإثبات جدارته.

ولم يتبقَ من التشكيلة الأساسية التي أبهرت العالم سوى أربعة لاعبين هم الحارس ياسين بونو، وأشرف حكيمي، ونصير مزراوي، وعز الدين أوناحي. هذا التغيير الجذري يعكس شجاعة فنية في اتخاذ القرارات، وتفضيلاً للجاهزية الحالية على حساب الأمجاد الماضية.

يعتمد المشروع المغربي بشكل كبير على «أبناء الجاليات» الذين ترعرعوا في أفضل الأكاديميات الأوروبية، خاصة في هولندا وفرنسا وبلجيكا. هؤلاء اللاعبون اختاروا تمثيل وطنهم الأم، مما منح المنتخب مزيجاً فريداً من الانضباط التكتيكي الأوروبي والمهارة الفطرية المغربية.

وتبرز أسماء شابة مثل أيوب بوعدي، لاعب وسط ليل الفرنسي، وإسماعيل صيباري، مهاجم آيندهوفن، كأعمدة للمستقبل القريب. هؤلاء النجوم الصاعدون يحظون باهتمام كبار الأندية الأوروبية مثل أرسنال وبايرن ميونيخ، مما يرفع من القيمة السوقية والفنية للمنتخب الوطني.

تحول النهج المغربي من الدفاع الصلب والاعتماد على المرتدات إلى الرغبة في الاستحواذ وفرض أسلوب اللعب على المنافسين. ففي المباريات الأخيرة، ارتفعت نسبة الاستحواذ بشكل ملحوظ، مما يدل على تخلص الفريق من «عقدة النقص» أمام المنتخبات الكبرى ورغبته في المبادرة الهجومية.

إن الطريق نحو ربع النهائي للمرة الثانية توالياً يمر عبر تجاوز عقبات دولية كبرى، وهو ما يسعى إليه المغرب بكل قوة. وإذا نجح «أسود الأطلس» في ذلك، فإن كتب التاريخ الرياضي ستحتاج فعلياً إلى إعادة كتابة، لأن الحمض النووي للكرة المغربية قد تغير إلى الأبد.

Tags

Share your opinion

النموذج المغربي يعيد صياغة تاريخ الكرة الأفريقية برؤية 2030

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.