في قلب مخيمات النزوح المظلمة بقطاع غزة، حيث يلف الصمت الحذر الخيام ولا يقطعه سوى أزيز الطائرات، تنبعث بقعة ضوء مفاجئة من زقاق ضيق لتعلن بدء عرض 'سينما الشارع'. تتحول ملاءة سرير بيضاء مشدودة بين وتدين إلى شاشة عرض بدائية، تجذب مئات الأطفال الذين يتراصون كتفاً بكتف فوق الرمال الباردة، هرباً من واقع مرير نحو عالم ملون من الرسوم المتحركة.
انطلقت هذه المبادرة بجهود تطوعية فردية قادها الشاب علي المنسي، الذي فقد مقعده الجامعي ومنزله جراء الحرب، ليقرر مع شقيقته رهف وصديقه أحمد اليازجي مواجهة الإحباط بصناعة البهجة. لم تكن الفكرة مشروعاً ممولاً من منظمات دولية، بل ولدت من رحم المعاناة الشخصية لهؤلاء الشباب الذين يعيشون ظروف النزوح ذاتها مع الأطفال المستهدفين.
يعتمد الفريق في تشغيل العروض على منظومة تقنية مبتكرة رغم بساطتها، حيث يتم ربط جهاز عرض 'بروجكتور' صغير ببطارية سيارة متهالكة جرى شحنها نهاراً عبر ألواح طاقة شمسية متوفرة لدى بعض العائلات. ويضطر المسؤول الفني لقطع مسافات طويلة للوصول إلى نقاط إنترنت فضائي لتحميل الأفلام وحفظها، لضمان استمرارية العرض في ظل انقطاع التيار الكهربائي والاتصالات.
لا تقتصر المبادرة على الجانب الترفيهي فحسب، بل تشكل أداة دعم نفسي عاجلة تهدف إلى تفريغ الصدمات العصبية المتراكمة لدى الصغار. وتسعى الفقرات التفاعلية التي تسبق العروض إلى سحب الأطفال من أجواء التوتر والترقب، واستبدال أصوات القصف بضحكات عفوية تنطلق من سماعات بسيطة معلقة على أعمدة خشبية متآكلة.
يتحرك أعضاء الفريق بين مراكز الإيواء المكتظة في مواصي خان يونس ودير البلح، يجرون عربات خشبية تحمل معداتهم البدائية ويقطعون مسافات طويلة مشياً على الأقدام. ويؤكد القائمون على المبادرة أن دافعهم الأساسي هو حماية الصحة النفسية لعقول الأطفال، معتبرين أن رؤية علامات الخوف في عيون الصغار كانت المحرك الرئيس لاستمرارهم لأسابيع طويلة دون كلل.
تخضع عملية اختيار المحتوى المعروض لرقابة صارمة ودقيقة، حيث يتم استبعاد أي أفلام تحتوي على مشاهد معارك أو انفجارات أو مؤثرات صوتية حادة. ويهدف هذا الفرز إلى تجنب تحفيز مثيرات الصدمة لدى الأطفال الذين عايشوا أهوال الحرب، وضمان عدم ارتداد عقولهم إلى مواقف الرعب التي مروا بها خلال العمليات العسكرية.
يركز الفريق على المحتوى التعليمي والترفيهي الذي يغرس قيم الصمود والتعاون وبناء الصداقات، مفضلين القصص التي تتغلب فيها الشخصيات على العقبات بالذكاء والتضامن. وتعكس هذه الاختيارات فلسفة المبادرة في شحن طاقة الأمل، وتمرير رسائل غير مباشرة بأن الهدم والدمار يمكن تجاوزهما من خلال العمل الجماعي والبناء.
صناعة الفرح وسط الركام هي أقصى درجات المقاومة الإنسانية، وحماية عقول الصغار لا تقل أهمية عن تأمين الغذاء.
ميدانياً، تتولى رهف المنسي مهمة تنظيم 'المسرح الرملي' قبل مغيب الشمس، حيث تقوم بفرش الحصائر وترتيب جلوس الأطفال لضمان رؤية واضحة للجميع. وتشدد رهف على أهمية الألعاب الحركية والتصفيق الجماعي قبل العرض لكسر حاجز الخوف، مؤكدة أن صناعة السينما في المخيم تبدأ أولاً من تصفية أذهان الأطفال وتهيئتهم نفسياً.
يواجه الفريق تحديات هندسية معقدة لضبط الصوت والصورة وسط الرياح الليلية وازدحام الخيام، حيث يتم تثبيت السماعات في نقاط مرتفعة للتغطية على الضجيج المحيط. ويصف الفني أحمد اليازجي لحظة انطلاق الضوء بأنها إعادة تشكيل لجغرافيا المخيم، وتحويله من بقعة لجوء مأساوية إلى مساحة مفتوحة للحياة والحلم.
يرى متخصصون نفسيون ميدانيون أن هذه العروض تعمل كآلية دفاع قوية لترميم السلام الداخلي للأطفال، حيث تمنح أدمغتهم إشارة أمان مؤقتة تسهم في خفض مستويات التوتر. وقد لوحظ تحسن ملموس في سلوك أطفال كانوا يعانون من صمت اختياري وانعزال تام، حيث بدأوا بالتفاعل والضحك بصوت مرتفع مع أقرانهم أثناء مشاهدة الأفلام.
تحولت 'سينما الشارع' إلى موعد أسبوعي يترقبه النازحون، ليس فقط للأطفال بل للكبار أيضاً الذين يجدون فيها فرصة لتنفس الصعداء ومراقبة فرحة أبنائهم. وقد ساهمت هذه التجمعات في إعادة إحياء النسيج الاجتماعي الممزق، حيث يلتقي جيران الخيام ويتشاركون الأحاديث والمخاوف في مساحة أمان مشتركة خلقتها الملاءة المضيئة.
تعبر الطفلة أبرار عن مشاعرها قائلة إنها تشعر بالسعادة حين تشاهد أبطال الكرتون يساعدون أصدقاءهم، وتتخيل نفسها تعيش واقعهم الجميل بعيداً عن أصوات الطائرات. بينما يؤكد الطفل محمود أن السينما تجعله ينسى الخوف والظلمة، ويتمنى لو أن العرض لا ينتهي أبداً ليبقى متمسكاً بتلك اللحظات التي تشبه حياته القديمة.
تمثل هذه المبادرة إعادة إحياء للطقس السينمائي الجماعي في قطاع يفتقر أصلاً لصالات العرض منذ عقود، مما جعل من هذه الشراشف البيضاء البوابة الوحيدة للأطفال لمعايشة الفن السابع. إنها محاولة إنسانية لانتزاع حق الطفولة في اللعب والخيال، رغم قسوة الظروف المحيطة وانعدام مقومات الحياة الأساسية في مراكز النزوح.
مع انتهاء المشهد الأخير وانطفاء جهاز العرض، يعود ليل المخيم لسكونه المعتاد، لكن أثر الضوء يبقى عالقاً في ذاكرة الصغار حتى موعد العرض القادم. ينسحب المتطوعون بهدوء حاملين معداتهم البسيطة، استعداداً لرحلة جديدة نحو مخيم آخر، مؤكدين أن المقاومة بالابتسامة هي السلاح الأقوى في وجه عتمة اللجوء.





Share your opinion
سينما الخيام في غزة: ملاءات بيضاء تكسر عتمة النزوح بضوء الأمل