أقل الكلام
على مدار يومين، التأمت في الرباط الأسبوع الماضي حلقة نقاشٍ رفيعة المستوى، نظمتها وكالة بيت مال القدس الشريف، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل في المملكة المغربية الشقيقة، تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس رئيس لجنة القدس، شارك فيها وزراء وخبراء يمثلون عدداً من الدول العربية والإفريقية ومنظمة التعاون الإسلامي.
طغت السردية الوطنية والإسلامية حول القدس في مواجهة السرديات الملفقة على جلسات النقاش، باعتبار أن السرد هو أقوى ما ملك الإنسان من أسلحةٍ على مر التاريخ، كما يؤكد كثير من المؤرخين. فبالسرد نفكر، وبه تتوطد العلاقات، وتنتقل الخبرات، وتتواتر القصص والحكايات من الأجداد والجدات للأحفاد، وبه تتصلب المواقف، وتتعزز السياسات، فبالسرد حول مقدرات الأمة وطاقاتها وممكنات قوتها تشكلت ملامح الهويات المضادة أو الأعداء للأمة وثرواتها، حيث لم يعد الصراع صراعاً على الأرض والتاريخ فحسب، بل على من يكتب الحكاية، ويمتلك الذاكرة والقدرة على حمايتها من الطمس والنسيان.
كان لي شرف ترؤس إحدى الجلسات التي شهدت نقاشاً معمقاً حول أهمية الرواية في زمنٍ تواجه فيه القضية المركزية للأمة صراع السرديات، فالحق وحده لا يكفي إذا لم يستند إلى بلاغة السرد وأدوات العصر، فالسرد في جوهره يستمد قوته وموثوقيته من بلاغة صاحبه. وفي زمن الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، وخوارزميات الفضاء الرقمي التي تحاول تغييب الرواية العربية الفلسطينية، فإن من لا يملك عنان سرديته يفقد حريته، ويسمح للآخر بإعادة إنتاج وعيه وتزييف هويته، فكما يقول المثل: "إم قوال غلبت إم فعال".
تستحق وكالة بيت مال القدس التحية والتقدير على حُسن تنظيمها ودفء استضافتها، ودقة متابعتها لمخرجات الحلقة التي أكد بيانها الختامي حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على أرضه بعاصمتها القدس، داعياً إلى التأسيس لخطابٍ يفهمه الغرب، ينتقل من مربع الدفاع إلى الهجوم، عبر المبادرة المحمولة على سرديةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ موحدة؛ مستفيدة من بيئةٍ عالميةٍ باتت أكثر تفهماً لعدالة القضية، بعد أن تكشفت لها نوازع التوحش والعنصرية وأحلام التوسع التي تصوغ فكر أعداء الأمة وسلوكهم، مما يفتح نافذةً تاريخيةً لإعادة صياغة الوعي الدولي لصالح العدالة الإنسانية.
ستظل القدس عربية الوجه والقلب واللسان، عصيةً على محاولات التهويد والتزوير. فمع أصوات المآذن وأجراس الكنائس التي تختلط بنداءات الباعة في شوارع القدس، ومع انتشار رائحة الكعك في حاراتها وأزقتها العتيقة، تتجدد هوية المدينة المقدسة وتتعزز سيادتها كلما تنفس الصباح.
Mon 06 Jul 2026 10:15 am - Jerusalem Time





Share your opinion
في مواجهة الهويات المضادة!