تلفّ وشاحات السواد العاصمة الإيرانية طهران التي استيقظت على وقع مراسم تشييع مهيبة للمرشد السابق علي خامنئي، في مشهد يهدف إلى إظهار تماسك مؤسسات الدولة بعد سلسلة من الهزات الأمنية والعسكرية العنيفة. وتأتي هذه الجنازة عقب اغتيال خامنئي في ضربات أمريكية إسرائيلية مشتركة نفذت في فبراير الماضي، مما وضع النظام الإيراني أمام اختبار حقيقي لصلابته وقدرته على إدارة المرحلة الانتقالية.
واحتشد الملايين في شوارع العاصمة للمشاركة في الموكب الجنائزي الذي انطلق بعد ثلاثة أيام من إلقاء نظرة الوداع في مصلى طهران الكبير، حيث توافدت الجموع على مدار الساعة. وتتوقع السلطات الرسمية أن يصل حجم المشاركة الشعبية إلى نحو عشرين مليون شخص، في محاكاة لمشهد وداع مؤسس الجمهورية الإسلامية الخميني قبل أربعة عقود.
ورغم الحشد الشعبي الكبير، خطف غياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي عن الظهور العلني الأضواء، مما أثار موجة من التكهنات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التواري. وبينما أرجعت مصادر غير رسمية الأمر إلى إجراءات أمنية مشددة لحماية القيادة الجديدة، التزمت الدوائر الرسمية الصمت، مما فتح الباب أمام تساؤلات حول ترتيبات الحكم في الداخل.
ولم يقتصر الغياب على المرشد الجديد، بل امتد ليشمل وجوهاً بارزة في النخبة السياسية الإيرانية، حيث لوحظ عدم حضور الرؤساء السابقين حسن روحاني ومحمد خاتمي ومحمود أحمدي نجاد. واعتبر مراقبون أن هذا الغياب الجماعي يعكس عمق التباينات السياسية داخل أروقة الحكم، رغم المحاولات الرسمية الحثيثة لتصدير صورة الوحدة الوطنية.
وبحسب الجدول الزمني المعلن، فإن الموكب الجنائزي لن يتوقف عند حدود العاصمة، بل سينتقل إلى مدينة قم الدينية جنوب طهران لإقامة مراسم إضافية تليق بمكانة الراحل. ومن المقرر أن يغادر الجثمان الأراضي الإيرانية متوجهاً إلى النجف وكربلاء في العراق يوم الثامن من يوليو الجاري، لزيارة العتبات المقدسة قبل العودة للدفن النهائي.
لا سلام مع الولايات المتحدة ولا اعتراف بإسرائيل، وأي مسار دبلوماسي يجب أن يحافظ على إنجازات الميدان ويضمن وحدة أراضي دول المنطقة.
وستكون مدينة مشهد، مسقط رأس المرشد الراحل، هي المحطة الأخيرة في هذه الرحلة الطويلة، حيث سيوارى الثرى في التاسع من يوليو بجوار مقام الإمام علي الرضا. وتمثل هذه المحطات الجغرافية المتعددة محاولة لربط البعد الديني بالسياسي وتأكيد نفوذ الجمهورية الإسلامية العابر للحدود في لحظة إقليمية بالغة الحساسية.
سياسياً، استغل رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف المناسبة لتأكيد ثوابت السياسة الخارجية، مشدداً على رفض الاعتراف بإسرائيل أو عقد سلام مع واشنطن. ومع ذلك، ترك قاليباف الباب موارباً أمام إمكانية تنفيذ تفاهمات مع الولايات المتحدة، شريطة أن تضمن هذه التفاهمات الحفاظ على ما وصفه بـ 'إنجازات الميدان' واستقرار المنطقة.
وتأتي هذه التطورات بعد فترة عصيبة مرت بها إيران، شملت حرباً استمرت 12 يوماً مع إسرائيل في صيف 2025، تلتها موجة احتجاجات داخلية واسعة في مطلع العام الحالي. وقد وضعت هذه الأحداث المتلاحقة، وصولاً إلى الحرب المباشرة مع واشنطن وتل أبيب، النظام الإيراني في مواجهة تحديات وجودية غير مسبوقة منذ تأسيسه.
وأشارت تقارير صحفية دولية، نقلاً عن مصادر مطلعة، إلى وجود انقسام حاد داخل دوائر القرار في طهران بين تيار براغماتي يدعو للانفتاح الاقتصادي لتأمين استقرار النظام، وتيار متشدد يرفض التنازلات. ويرى التيار الأخير أن استمرار المواجهة هو الضمان الوحيد للحفاظ على أوراق القوة الإيرانية في أي مفاوضات مستقبلية بشأن الملف النووي أو النفوذ الإقليمي.
وفي ختام المراسم، يبقى التحدي الأكبر أمام القيادة الإيرانية هو كيفية تحويل مشهد الجنازة المليوني إلى رصيد سياسي يعزز شرعية المرشد الجديد. ومع استمرار الغموض الذي يلف شكل المرحلة المقبلة، تترقب الأوساط الدولية قرارات طهران القادمة التي ستحدد مسار الصراع أو التهدئة في الشرق الأوسط.





Share your opinion
طهران تودع خامنئي في جنازة مليونية وسط غياب لافت للمرشد الجديد وتساؤلات حول وحدة النخبة